تابعونا على فايسبوك
04/02/2012 14:40 |
أصغر ولي عهدٍ في العالم |
04/02/2012 13:30 |
حقوق المرأة ودخول الملاعب |
03/02/2012 23:56 |
أصابت سلوى فـ «لا تحزن» و«لا تيأس» |
03/02/2012 23:52 |
بين لارا وجوليا... بندقية |
03/02/2012 23:45 |
هي فوضى |
03/02/2012 23:43 |
ما بين دبي وبيروت |
03/02/2012 12:36 |
دروس ... من الكويت |
01/02/2012 17:33 |
لا تسرق |
01/02/2012 14:30 |
فسدة الطفرة الأولى .. لا تكرروا ما فعلتموه |
01/02/2012 15:06 |
السؤال الذي لا جواب له |
الطبيب الصائم
اشتبهتُ بوجود جلطةٍ دمويةٍ في ساقي . من لحظتها و القلق يلازمني كل الوقت . بسبب عملي في مؤسسةٍ صحيةٍ حكوميةٍ و لعلاقاتي الطيبة مع كافة الأطباء فيها ، فقد وجدت عشرات الأطباء يسألون عن حالتي ، و يقدموني النصح لي بوجه بشوش ، ونية صادقة . في الحقيقة لا أجد ، عشر هذه المشاعر المفعمة بالاهتمام تجاه بقية المرضى . كنت في مكتبي المطل على الممر المؤدي إلى مكاتب الأطباء ، أنتظر مرور إشارات ضبط الوقت ليحط عقربها على تمام الساعة الواحدة ظهراً ، موعد انتهاء العمل . بعد ساعتين يحين وقت الانصراف . أرى ، بين وقت و آخر ، بعض المواطنين من المرضى أو ذويهم و هم يسيرون في الممر ، بحثاً عن طبيب مناوب ، لمعالجتهم و لو بكلمة حسنة ، أو اهتمام ملحوظ . لست أدري لماذا اعتدنا على التقصير في العمل الحكومي ، هذا إن لم يصل ، في بعض الأحيان ، إلى درجة الإهمال فيه ، حتى في الأعمال التي لا تحتمل التقصير ، كالطب و مداواة المرضى. و لا ندرك ، حتى و نحن في شهر الصوم ، أن واجبنا تجاه أعمالنا جزء لا يتجزأ من أخلاقنا ، و قبل كل شيء ، أنه انعكاس حقيقي لمدى خشيتنا من الله ، فالله لا يريد منا أن نركع له و نسجد ، في حركات رياضية فارغة المعنى ، تُؤدى كأنها نوع من التسلية أو لتمضية الوقت في أقل الأشياء متعةً كما نتوهم . ما هكذا يجب أن نفهم صلتنا بالله ، عبادة خواء من المعنى و الأثر، كصيام الجوع و العطش فقط ، أما صيام الأخلاق فيكون بارتفاعها عن مطبات الاستعلاء ، و عدم إغفالها مشاعر الآخرين ، فهو آخر ما صرنا نفكر فيه ، مع أن هذا الصيام ، صيام الأخلاق ، هو الثمرة المرجوة من الصيام . * كاتب فلسطيني مقيم في غزة
أنهيت كل أعمالي . رتبت أوراقي المكتبية ، و سجلت المعاملات المالية لهذا اليوم على الحاسب الآلي ، و ها أنا ، أدقق النظر ، من النافذة المطلة ، على ممر الأطباء ، في سحنات المرضى التي تستعر ، كحرارة الجو ، و كغليان البطون على نار الجوع .
يشكو زميلي في العمل ، من عدم وجود مكيف في مكتبه ، مع أن المكتب المقابل له ، و الخالي إلا من الجدران ، يتمتع بمكيف من النوع الجيد ، و لا أحد يستطيع نقله من مكانه ، حتى مدير المؤسسة الطبية ، إلا بقرار وزاري مكتوب . و سيظل الهواء المضخوخ لتبريد الجدران الإسمنتية في تلك الغرفة الخالية ، دليل هام على إدارتنا السديدة ، ونظرتنا الثاقبة جداً للمفهوم العصري للإدارة . أمام شدة الطقس الحار ، و غزارة العرق المفروز من جسده ، التجأ المسكين إلى مكتبي البارد و رحنا نتأمل معاً وجوه المرضى المكدودين تارة ، و الأطباء المرفهين تارة أخرى . مر علينا ، خلال نظراتنا الفاحصة لكل من هب و دب ، شاب كالح الوجه ، فارع الطول ، عليه ثياب بالية ، و في عينيه شررٌ يطلب ضحية . وقف الشاب على النافذة ، و قبل أن يقذفني بسهمه الحاد اختصرتُ عليه سؤاله لي ، قلت له : استمر في نفس الممر ، ثم استدر يساراً إلى الممر الآخر ، و في النهاية ستجد مكاتب الأطباء ، لا أدري إن كانوا فيها أم لا ، جرب حظك يعينك الله .
تقع مكاتب الأطباء في مكان بعيد عن أعين المرضى ، لا يستطيع أحد الوصول إليها قبل أن يسأل عن مكانها عدة أسئلة ، فلا يافطات تدل عليها ، ولا هي قريبة يسهل العثور عليها دون إصابة الرأس بالدوخة ، و الأعصاب بالتوتر . عاد الشاب و إلى جواره طبيب المناوبة ، و لم أجد أياً منهما مصاباً بأذى كما توقعت ، فقد كان الطبيب من الذكاء بحيث استطاع امتصاص غضبة الشاب قبل أن يلتهمه ، و هو صائم ، لقمة غير سائغة .
خطفني الحديث مع زميلي ، عن الالتحاق بالمسجد لأداء صلاة الظهر . و بقينا بانتظار عربة الوقت البطيئة ، لتقلنا بعد قليل إلى بيوتنا . هممنا بالمغادرة ، و خطونا بعض الخطوات خارج المكتب ، نادى علينا صوتٌ ، و نحن في الممر ، أنا و زميلي المتأفف من عدم مقدرة نقل المكيف المهمل إلى مكتبه حتى اللحظة ، إنها سيدة تناهز الأربعين ، و كالعادة ، لا يتوقف أحد من غير العاملين في هذه المؤسسة الطبية ، إلا ليسأل عن مكاتب الأطباء . لاح لنا ، من بعيد ، طبيب يتبختر في مشيته ، و لولا حرمة الظن السوء لقلنا إن في استقامة عوده دون انكسار ، و جريان ماء النشاط في جسده ، لدليلاً على إفطاره . تركنا الظنون بعيداً ، و بالإشارة دون العبارة ، أخبرنا السيدة المكفهرة الوجه التي كانت مرهقة من الصوم ، و ربما من المرض الملم بها ، أخبرناها أن ذلك الشخص القادم نحونا هو الطبيب المختص . و مشينا لنوقع في سجل الحضور و الانصراف .
في آخر ساعة من العمل ، يجتهد غالبية الموظفين بالمغادرة المبكرة ، و ربما قاتل الواحد منهم مديره لو طلبه في مهمة بعد الدوام الرسمي بدقائق ، ناسياً و أمثاله و ما أكثرهم ، أنه لا يمر يوم عليه دون أن يحضر فيه متأخراً عن ميعاده الأصلي على الأقل بربع ساعة ، و هو لا يسأل نفسه عن أرباع الساعات هذه و أنصافها المهدورة حين الحضور إلى العمل ، أما عندما يتعلق الأمر بالبقاء لمصلحة العمل ، فيطول اللسان ، و تبرز البلاغة في اختلاق أعذار المغادرة العاجلة .
وجدنا عدداً من الموظفين ينتظرون دورهم في التوقيع ، كان التوقيع يدوياً خلافاً لتوقيع الصباح على الحاسب الآلي . وقفنا ننتظر دورنا في التوقيع . كان زميلي خلفي يتأفف من شدة الحر ، انحنيت ممسكاً بالقلم ، سجلت انصرافي ثم التفتُ إليه فلم أجده خلفي ، خرجت من الطابور و رحت أبحث عنه في المكان .كان الطبيب الذي كدنا وصمه بجريرة الإفطار ، يتحدث على هامش المكان المخصص للتواقيع إلى زميلي ، و الشرر يتطاير من عينيه كالرصاص ، و بلهجة تنطوي على إحساسه بالتميز عن الآخرين ، ربما لأنه مفطر و نحن صائمون ، و ربما لأنه طبيب ونحن إداريون .
وصلت إليهما فإذا الطبيب يولي ظهره و يغادر ، و زميلي الطيب القلب ، الدمث الأخلاق ، الصائم صوماً إيمانياً عميقاً ، يتملاه من أسفله إلى أعلاه ، و يتمتم ببعض الكلمات . عندما خرجنا من الممر ، و اتجهنا إلى السيارة ، كدنا أن نقع على الأرض من الضحك الذي كان له مذاق مرير و نحن نلوك آخر عبارة قذفها الطبيب في وجه زميلي قائلا له : " آخر مرة بشوفك بتدل عليَّ أيَّ مواطن حتى لو كان الوزيرْ " .
و انطلقنا إلى البيوت ضاحكين .



اضف تعليقك