فيصل مرزا : هل من منقذ لموظفى ارامكو السعودية؟

فيصل مرزا : هل من منقذ لموظفى ارامكو السعودية؟

موظفي أرامكو السعودية دائما يضرب بهم المثل بالإنضباط والتميز والمهنية العالية على مدى عقود طويلة، ولكن هذا التميز مهدد بالتراجع حسب مانشهده مؤخرا مع بعض المرئيات والمعطيات، وبناء على بعض الاستطلاعات والأحداث ،وخلال بعض المقابلات مع عدة شرائح من موظفيها، وجدت الكثير من الامتعاض والضغط النفسي والمعنويات المحبطة، وذلك يعود لنواحي إدارية ونواحي مادية وتحفيزية لا تعكس تاريخ أمجاد أرامكو ولا نجاحاتها!

التحول الجذري الذي تلى عام ٢٠٠٩ من نقص للزيادات السنوية الذي شمل كل الموظفين وعلى وجه الخصوص الموظفين ممن هم أسفل السلم الوظيفي في أرامكو السعودية، وذلك بلا شك سوف يكون له تأثيرا جما لاقدر الله على المخرجات الوظيفية والجودة والتميز، والسلامة بل وحتى على قتل الطموح ووأد التطلعات!

لا أحد يزايد على وطنية ومهنية موظفي أرامكو السعودية والتي كانت مدرستي أنا وغيري، ومضرب المثل، ولكن التراجع في المميزات سيكون له دور جذري على المخرجات الوظيفية وتراجع في منظومة السلامة، فمثلا في السنوات الأخيرة كان هناك حوادث فقدت على أثرها الأرواح، وتلفت فيها المعدات مما كبد الشركة خسائر هائلة! وهناك حقيقة لا يستطيع أحد اخفائها ألا وهي أن أي تدهور في المعنويات سوف يؤدي إلى حوادث السلامة وتدهور في جودة مخرجات العمل!

فعلى سبيل المثال حريق الوسيع الذي تسبب بمقتل عدد ليس بالقليل، وأيضا تسبب بأضرار بيئية حيث لم يطفئ الحريق إلا بعد عدة أيام! وكذلك حريق فرضة رأس تنورة وإصابة ٨ من العاملين فيه، وحريق المجمع السكني بالخبر الذي أدى إلى وفاة وإصابة ٣٠ عاملا بسبب عدم توفر وسائل السلامة على النحو المطلوب!

وعموما يصف الكثير داخل أروقة الشركة أن الاجتهاد قل كثيرا مقارنة بالأعوام التي تسبق عام ٢٠٠٩، ماحدث من قتل طموح وتأثر الزيادات في ظل مايشهده قطاع الطاقة عالميا من زيادة في سلم الرواتب خصوصا بالشركات النفطية التي بدول الجوار بالخليج العربي.

العلاوات السنوية التحفيزية لها دور كبير في تقييم أداء الشركة التشغيلي! هناك تراجع في السنوات الأخيرة في العلاوات السنوية والتحفيزات مما أثر على نفسيات الموظفين ومما سيؤثر سلبا على مخرجات الشركة! لا أحد يجادل بأن للحوافز دور كبير على أداء الموظفين والجودة وذلك في المقابل سيوفر على الشركة أموال طائلة تنعكس في التوفير التشغيلي أكثر بكثير من التوفير جراء نقص الزيادات!

أيضا من أسباب قتل الطموح لدى الموظفين المميزين هو أن أفضل العلاوات السنوية والترقيات لا يحظى بها إلا أصحاب النفوذ وأبناء وأقارب الرؤساء التنفيذيين بالشركة وإن كان لديكم أدنى شك، لابد من عمل استبيان محايد وسوف تجدون ماهو أدهى وأمر من ذلك.

هل يعقل أن أكبر شركة مصدرة للنفط في العالم، توجد فيها نسبة لايستهان بها من عدد الموظفين السعوديين الذين توافرت فيهم شروط الاستحقاق للمشاركة في برنامج تملك البيوت، لم يتسن لهم فرصة الحصول على قرض سكني! فمن المعروف أن هذا التأخر أدى إلى انشغال موظفي الشركة بمستقبل أبنائهم وعوائلهم، وهذا أثر سلبا على أداء الموظفين وقدرتهم على التركيز، فلم تصبح أرامكو هدف وطموح الجميع كما كانت سابقا! فالحلم والحافز الأساسي لموظفي الشركة السعوديين هو تأمين مسكن عائلي يقيهم وأفراد أسرهم من صعوبات الزمن.

ومما زاد الطين بلة، فلقد تجاوز الحد إلى أن أصبح تهديدا للأمان الوظيفي (Job Security) بعد أن اتخذت بعض القرارات الإدارية بالاستعانة بمصادر خارجية (Outsourcing) للقيام ببعض قطاعات الأعمال التي تقوم بها الشركة! الأمر الذي قد يعرقل مسيرة بعض الموظفين تبعا لإجراءات النقل من وظيفة إلى أخرى أو الاستغناء كما حصل مع موظفي الخدمات الطبية بأرامكو السعودية بعد قيام أرامكو بشراكة مع جون هوبكنز للقيام بالخدمات الطبية! ويبدوا أن هذا أصبح توجها عاما للشركة!

يقول أحدهم: عندما كان والدي يعمل بأرامكو السعودية كنت أرى بوالدي المثالية والطموح والقدوة من بين آباء أصدقائي، وأثر ذلك إيجاباً على نشأتي فلقد وضعت نصب عيني هدفا وهو أن أكون أحد منسوبي أرامكو السعودية، ولقد تحقق ذلك، ولله الحمد، أما بعد ما شهدته في أرامكو من بعد عام ٢٠٠٩ فلم تعد إطلاقا ارامكو هدفاً لأبنائي في المستقبل! لقد كان والدي موظفا سعيدا على عكسي تماما!

وبصرف النظر عما تقوم به الشركة من استبيانات يسهل تتبع مصدرها مما يكون له تأثير على الموظفين، لابد من أن تقوم جهة خارجية تضمن للموظفين عدم الضرر، فإذا طلبنا عمل مسح استبياني لمعرفة آراء موظفي أرامكو بدون أن يتضرر أحدهم، فهل سنرى نتائج إيجابية تنعكس على إجراءات تصحيحية أم سنرى قمع ونتائج سلبية!

المجاملات و توسع دائرة تأثيرها ليس فقط في التوظيف، لكن الخطر أن المجاملات أصبحت تؤثر على تقلد المناصب القيادية، ومنها المناصب في المراكز الحساسة في كفاءة وانتاجية الشركة، لأن الإحصائيات تشير إلى أن اعداد من تركوا الشركة من (استقالات و تقاعد مبكر) منذ ٢٠٠٩ في تزايد مستمر! مما أحدث فجوة عميقة في نقل المعرفة التي تراكمت عبر الأجيال (Knowledge Transfer)، عليها تأثرت معدلات كفاءة الأداء!

قبل رؤيتنا المباركة، وتصحيحاتها الاقتصادية الشاملة، كان من المتعارف عليه أن أرامكو السعودية عبارة عن صندوق أسود لايستطيع أحد أن يخترقه ولا أن ينتقده! مما أعطى بعض مسؤوليها غطاء لممارسات أساؤوا فيها استخدام هذا التحفظ على انتقاد الشركة، ولكن رؤية 2030 والتصحيح الشامل أتى ليكشف كل الأقنعة وأعطانا سقف من الحرية للإنتقاد البناء الإيجابي لايستطيع أحد إن شاء الله أن يمنعه في زمن ملك العزم سلمان الحزم!

والسؤال المطروح الآن بعد أن أصبحت غالبية المراكز المهمة في وزارة الطاقة والصناعة والثروة المعدنية بيد موظفي أرامكو السعودية …. هل يصح أن تدار هذه الوزارة التي يعتمد عليها اقتصادنا وطموحاتنا التنموية بعقلية شركة؟!.

——————————————

د. فيصل مرزا

مستشار في شؤون الطاقة وتسويق النفط، مدير دراسات الطاقة في منظمة أوبك سابقا

رياض بوست

رابط مختصر
2017-09-11
أترك تعليقك
18 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

كل الوطن1