جمال سلطان: المفاجأة هي فيمن تفاجأ بالتسريبات !

جمال سلطان: المفاجأة هي فيمن تفاجأ بالتسريبات !

مندهش جدا من الضجيج الذي يحدث حول التسريبات التي نشرتها صحيفة نيويورك تايمز وأعادت بثها قنوات معارضة في الخارج ، وتشير إلى أن شخصا تزعم التسريبات أنه يتبع جهازا أمنيا يتصل بإعلاميين ويوجه لهم نصائح وربما تعليمات بما يجب عليهم أن يقوموا به أو يقدموه أو يتعاملوا به مع الشخصيات السياسية أو غيرها التي تتحول إلى رقم في الحياة السياسية ، أو يتصل بفنانات شهيرات ويطلب منهن عمل مداخلات في برامج معينة وأحيانا يؤقت لهم بالساعة الوقت الذي يشاركن فيه ، ودهشتي هي تجاه من عرض تلك التسريبات واعتبر أنها اكتشاف ، وكذلك الآخرون الذين يقاتلون من أجل إنكارها أو الحديث عن أنها مزورة أو أن إعلاميا إخوانيا مثل هذا الدور ، فهل كان أحد من الطرفين يتصور سلفا أن بعض الوجوه التي نراها على الشاشات تتحدث بتلقائية في الاشتباك السياسي المتشعب والمتوتر في مصر الآن ، أو أنها تعمل دون الرجوع إلى “مرجعيات” ، وتفتح النار على هذا وتسب ذاك وتثير تلك القضية وتفتح المجال لهؤلاء الضيوف وتحظر آخرين ، كل ذلك في جو من الحرية المطلقة ؟ .

الإملاءات الإعلامية حالة مفروغ منها في الظروف الحالية ، وبعض من يتصدرون المشهد الإعلامي وهم عديمو الكفاءة تقريبا لم يحصلوا على “طلتهم” على الشاشة إلا بموجب معايير متصلة بمدى الطاعة والإخلاص والتفاني في خدمة تلك الإملاءات ، ومن اعترض انطرد ، كما أن هؤلاء جميعا تقريبا لا يعتبرون ذلك مسألة مشينة ، أو خادشة للسمعة ، فأغلبهم لم يكن له سمعة إعلامية من قبل أصلا ، ويعتبرون ذلك فرعا من فروع الوطنية ، والولاء للوطن ، وأن يكون أحدهم عميلا للمخابرات أو لجهاز أمني في بلده هو شرف ، لأنه ليس عميلا لمخابرات تميم وأردوغان ، وهذه اللهجة أصبحت شائعة جدا ودائمة الحضور في المساجلات الإعلامية نفسها وتقابلها

دائما عندما تطرح هذه المسائل أمام الرأي العام ، وبالتالي فعلام هذه الضجة ، أين الخطأ ؟ أين الحرام ؟ أين المفاجأة ؟ .

كما أن جميع الصحف بلا استثناء مراقبة الآن ، وتعمل وفق سقف محدد ، ولا تستطيع أن تتجاوزه ، رغم أن هذا محظور بنص الدستور نفسه ، لكن لأن الدستور كتب بنوايا طيبة فليس من الضروري الالتزام به دائما ، ويمكن وقف طباعة أي صحيفة ، أيا كانت ، لمراجعة بعض المواد واستبدالها بمواد أخرى ، صحيح أنه لا أحد يفرض عليك نشر مادة بعينها خاصة في الصحف المستقلة ، في حدود علمي ، ولكن يفرض عليك حذف مواد ، والشاطر من يعرف السقف المتاح ويعمل في حدوده حتى لا يتعرض للخسارة والإرهاق المادي والمعنوي ، وهذا ما تسبب في ضعف الصحافة المصرية الآن وهزالها المهني ، وانصراف القارئ عنها وتدهور المبيعات وتراجع مذهل في كميات الطبع ، وبعض الصحف ذات الأسماء الكبيرة سيندهش الناس إذا عرفوا كم تطبع من نسخ ، كما أن القنوات الفضائية نفسها تلاشى تأثيرها الكبير الذي تفجر مع ثورة يناير ، وبدأت برامجها تميل إلى العمل في “المأمون” مثل البرامج ذات الطابع الفني والضيوف “اللايت” والقضايا الإثارية كالمتعلقة بالحوادث والجن والعفاريت وما شابه ، فانحسرت نسب المشاهدة بشكل واضح ، وعاد ملايين المصريين من جديد لمتابعة قناة الجزيرة القطرية ، بعد أن كانوا قد انصرفوا عنها كثيرا عقب ثورة يناير ، لأن القنوات المصرية كان قد كسرت المحظور ورفعت السقف ويجد المواطن فيها كل قضاياه الحية والصريحة وكل ما ينور بصيرته السياسية ، كما نجحت قنوات الإخوان والمعارضة الموجودة في تركيا في جذب ملايين المصريين لمتابعتها للسبب نفسه ، وهو الفراغ الذي سببه غياب وهزال الإعلام الداخلي .

الخوف من الإعلام ودوره السياسي ، والبحث عن “أذرع” إعلامية موالية ، كان هاجسا كبيرا للرئيس عبد الفتاح السيسي حتى قبل أن يتولى الرئاسة ، وله تسجيلات منشورة ، وليست مسربة ، عن هذا الأمر ، ولذلك فإن الفريق الذي يعمل معه يولي هذا الجانب أهمية قصوى ، أكثر من أي نشاط عام آخر ، كما أن هناك في مصر الآن رؤية رسمية ترى أنه ليس مفيدا ولا مطلوبا أن يهتم الإعلام بمخاطبة النخبة والطبقة الوسطى التي هي قادرة على الفرز وتملك وعيا سياسيا متطورا ، وترى أنها لن يمكنها إرضاء هؤلاء أو استيعابهم بخطاب إعلامي إلا بخسارة كبيرة وتنازلات غير محتملة حاليا ، ولذلك هم يرون التركيز على الخطاب الإعلامي السطحي والبسيط والديماجوجي الذي يخاطب العوام والمستويات الاجتماعية الأقرب للأمية السياسية أو حتى الأمية الحقيقية ، ويأتون بإعلاميين مناسبين لهذه النوعية المستهدفة .

الإعلام المصري هو الخاسر الأكبر في المعترك السياسي الذي أعقب 30 يونيه بدون شك ، كما أن مصر نفسها ، بقوتها الناعمة وحضورها التاريخي في المنطقة وسبقها في هذا المجال ، خسرت الكثير من مكانتها وريادتها ، وأصبح بديهيا أن أهم منابر الإعلام العربي ، صحافة وتليفزيونا ، ليست هي التي تصدر من مصر ، هذه خسارة كبيرة ومؤلمة لنا معشر الإعلاميين ، رغم أن مصر لا ينقصها كفاءات ولا مواهب فذة في مختلف قطاعات الإعلام ، ولكن الإدارة السياسية المهيمنة وأدواتها نجحت في صناعة هذا المناخ القاتل لأي موهبة والمهمش للطاقات والمسيء لصورتنا في الخارج .

————————-

جمال سلطان

المصريون

رابط مختصر
2018-01-11 2018-01-11
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

كل الوطن1