د. على القرنى: هل غيَّر دونالد ترامب العالم؟

د. على القرنى:  هل غيَّر دونالد ترامب العالم؟

أعود إلى هذا السؤال المهم بعد مقال الأسبوع الماضي. ويجب أن يكون هذا السؤال هو المسار الاستراتيجي للعالم في هذه المرحلة؟ وقد أوضحت أن الرئيس دونالد ترامب يجر أمريكا إلى عزلة جديدة عن العالم. وكما فعل سابقه قبل مائتي عام (جيمس مونرو)، وهو أحد الآباء المؤسسين (خامس رئيس أمريكي)، بإطلاقه مبدأ مونرو، وسلَّمه للكونجرس، ويدعو إلى حماية الأمريكتين (الشمالية والجنوبية) من اضطهاد أوروبا لها كدول مستعمرة، ولكن هذا المبدأ لم ينجح؛ لأن أوروبا بقيت في علاقات تجارية مع الدول اللاتينية تحديدًا، كما أن الدول اللاتينية كانت تخشى من هيمنة الولايات المتحدة أكثر من هيمنة أوروبا عليها.

ثم جاء الرئيس الأمريكي ثيودور روزفيلت الذي حكم الولايات المتحدة فترتين (1901-1909)، ونادى بتطبيق فعلي لمبدأ مونرو بحكم القوة، وغزت جيوش الولايات المتحدة خلال فترته وما تلتها ثلاث دول أمريكية/ جنوبية، هي جمهورية الدومينكان ونيكاراجوا وهاييتي. وهذا تطبيق للمبدأ في سيطرة الولايات المتحدة على أمريكا الجنوبية في محاولة لتقويض النفوذ الأوروبي.

ثم جاء الرئيس (الأكاديمي) وودرو ويلسون (1913- 1921)، وهو الرئيس الذي حكم خلال الحرب العالمية الأولى، وأوقف التدخلات الأمريكية العسكرية في أمريكا الجنوبية، حتى أنه التزم الحياد أمام الثورة المكسيكية على حدود بلاده، ولم يتدخل فيها، رغم أنه بإمكان الجيش الأمريكي أن يحتل المكسيك. وبعدها اعتمد الرئيس هربت هوفر سياسة النوايا الحسنة، وقام بزيارات إلى أمريكا الجنوبية خلال فترته التي كانت تسمى بفترة الكساد العالمي (1929-1933) في محاولة إلى استمالة أمريكا الجنوبية.

وإذا لنا نختصر الكثير من الأحداث الأمريكية؛ لنصل إلى نتيجة ما، فإن مبدأ العزلة الذي اقترحه مونرو، وسُمي باسمه، لم ينجح في تاريخ الولايات المتحدة، ولكن الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب يريد أن يعيده كحقيقة، ليس برغبة منه، ولكن نتيجة سياساته الخارجية؛ فهو في عداوة مستمرة مع الكثير من الدول: روسيا، أوروبا، الصين، كندا، المكسيك، دول أمريكا الجنوبية.. وغيرها من الدول. وربما أن الفرق الذي كان بين ترامب ومونرو هو أن مونرو كان يدعو لسياسة العزلة الاختيارية، بينما ما نراه في عهد ترامب هي عزلة إجبارية.

وسؤال: هل غيَّر ترامب العالم؟ هو سؤال مستحق طرحه ومناقشته، ليس فقط في أروقة الجامعات، بل أيضًا في مراكز التفكير ومؤسسات السياسات الخارجية للدول؛ لأن تداعيات ذلك كبيرة على الدول من ناحية، وأيضًا على الولايات المتحدة الأمريكية من ناحية أخرى. وإذا تمكَّن دونالد ترامب من الفوز بفترة رئاسية أخرى – وأنا أتوقع ذلك – فيمكن أن يترسخ مبدأ العزلة الأمريكية عن العالم.

بكل تأكيد، الجميع يعلم أن الرئيس ترامب يسعى لتعزيز مصالح بلاده الاستراتيجية، وربما حقق نجاحات معينة على الصعيد الاقتصادي، ولكن ليس على الصعيد السياسي الخارجي، ولكن المواطن الأمريكي يهمه بالدرجة الأولى الاقتصاد؛ وهذا ما يجعلني أرجح استمراره لفترة رئاسية أخرى رغم عداءاته مع الإعلام من ناحية، ومع دول كبرى في العالم.. ولكن يبقى أن نعرف ماذا سيكتب عنه التاريخ؟ وأين ستكون أمريكا؟ أو بالأحرى أين سيترك دونالد ترامب بلاده بعد انتهاء فترته الأولى أو الثانية؟ ثم أين سيكون العالم بعد انتهاء رئاسة ترامب؟ هذه أسئلة محورية مهمة سيكتبها التاريخ خلال السنوات القادمة.

——————————————————–

د. على القرنى

الجزيرة

رابط مختصر
2018-09-13
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

كل الوطن1