أحمد الحناكي: «هروب» الفتيات ليس بـ «ظاهرة»

أحمد الحناكي: «هروب» الفتيات ليس بـ «ظاهرة»

للضجة المثارة حالياً في وسائل الإعلام الغربية أهداف كثيرة، منها الصادق ومنها الكاذب ومنها ذو الأهداف المشبوهة، لكن السؤال: ما الذي يحدث بالضبط؟ فتاة سعودية هربت من ذويها إلى دولة تايلند، وفي المطار لم يتضح بالتفصيل من الذي أراد إعادتها إلى عائلتها، غير أنها احتجت ولجأت إلى غرفة في فندق مقفلةً الباب على نفسها، وتواصلت في الوقت نفسه مع وسائل الإعلام العالمية ومنظمات حقوق الإنسان تشتكي بأنها لن ترجع خوفاً من القتل أو العنف أو خلافه.

وسائل الإعلام الغربية -كعادتها- خلطت ما بين موقف الحكومة وموقف العائلة، فليس هنالك نص بالقوانين السعودية على وجوب معاقبة الفتاة التي تهرب من أهلها فهذا شان عائلي لا تتدخل به الدولة، بل ربما كانت المملكة من أكثر الدول في العالم التي تتجنب الدخول في الاشكالات التي تقع بين أفراد الأسرة إلا إذا تجاوزت الحدود القانونية، خاصة أن الكثيرين من الآباء المتسلطين يتمسكون بورقة الدين، مستغلين الفهم الخاطئ في معاملة المرأة.

كنت بالصدفة أقرأ رواية سويدية مترجمة لكاتب يدعى ستيغ لارسن، ذُهلت من حجم الاضطهاد الذي تلقاه المرأة السويدية ذلك الوقت (يحكي الكاتب عن فترة الثمانينات)، ولكي نكون منصفين لم تكن قوانين بل أعراف اجتماعية، غير أنها مؤشر واضح على أن قضايا المرأة معقدة في كل أنحاء العالم، وإن تفاوتت بطبيعة الحال بين بلد عن بلد، على أن الوضع عموماً يبشر بانحسار لصالحها وهو ما أتمناه لبنات الوطن.

هل هروب الفتيات السعوديات ظاهرة؟ طبعاً لا، لكن هذا الرصد الإعلامي المحموم يصور النساء السعوديات يتزاحمن بالطوابير مهاجرات إلى الخارج، وبعيدا عن محاولة الدفاع عما يحدث لدينا فقد كانت تعليقات الإعلام الغربي مليئة كالعادة بـ «التجني» و«الجهل». نعم، هناك نساء لم ينلن حقوقهن الكاملة، لكن المشكلة الأكبر تقع على الأسرة أولاً التي تفضل الذكور وتنحاز لهم غريزياً، مع التسليم بأن هناك من الآباء أو الامهات من تجاوزوا هذه المسألة تماماً، وبالذات الأجيال الأخيرة التي لا تؤمن بتاتاً بما كان يصنعه الآباء والأمهات.

الحديث عن الجيل الجديد يعني أن تتحدث عن الجنسين، وبالتالي انتهى عصر يتم التعامل فيه مع النساء بأنهن قاصرات طوال العمر، فهن والرجال يتلقون مصادر التربية والتعليم والإعلام نفسه، مع الإيمان التام أن على الدولة ممثلة بوزارات العمل والشؤون الاجتماعية والتعليم والشؤون الإسلامية والعدل أن تمارس ضغوطاً أكبر في سبيل تحقيق المساواة التي تطمح لها النساء.

المفارقة الكبرى هي أن الإعلام العالمي، تحديداً البعض منه، يمارس نفاقاً عندما يدّعي الحرص على حقوق النساء في السعودية عندما استيقظ فجأة هذه الأيام، بينما كان يغط في الشخير العقود الماضية، والأغرب أن هذا الاستيقاظ حدث بعد أن أصدرت المملكة قرارات تنصف المرأة نسبياً.

لكي نصبح أكثر واقعية علينا أن نوازن بين خطي السيادة وحقوق الإنسان، فهذه المرة كانت أخف وطأة، ولربما كانت مقبولة لو كان هناك فهم لما جرى وليس كما تبنوا الرأي الذي يقول ان الفتاة ستعدم عندما تعود للمملكة.

أود بمناسبة الحديث عن المرأة ومعاملتها أن أحيل السيدات والسادة إلى قراءة ما يحدث في دول عربية كثيرة في قضايا الشرف من قتل وعنف مبالغ فيه ولمجرد الشك وحتى من دون اللجوء إلى القانون، ولا يقتصر الأمر عليها، بل ويتجاوز إلى دول أخرى كباكستان والهند وأفعانستان وجيرانهم.

في الأخير، لو كان الأمر بيدي لشكّلت لجنة من الخبراء في «الاجتماع» و«التعليم» وعلماء النفس لتناول هذه القضايا درساً، وفي الوقت نفسه توحيد الجهة التي تتولى التفاوض في حالة كحالة هذه الفتاة أو غيرها، متمنياً أن تنتهي القضية إلى عودة الفتاة إلى حضن والديها باتفاق وقناعة.

رابط مختصر
2019-01-10 2019-01-10
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

كل الوطن