هالة القحطانى: التعليم.. لم ينجح بعد!

كل الوطن1آخر تحديث : الأربعاء 16 يناير 2019 - 3:25 مساءً
هالة القحطانى: التعليم.. لم ينجح بعد!

لا يزال التعليم ذلك المشروع الذي «لم يكتمل» بعد ولم يصل لنسبة «رضاء» تغني عن الاستعانة ببدائل لترميم مخرجاته، ربما يكون السبب ثقل التركة المتراكمة منذ عقود، أو بسبب المقاومة التي يبديها البعض حين يبدأ كل وزير بمحاولة لإحداث تغيير، ومهما كانت الأسباب أصبحنا في حاجة لأن نفتح عقولنا بشكل أكبر، ليس فقط لنرى ما يحدث حولنا من تطور، بل كيف نصبح جزءاً من سباق المعرفة والتطور العلمي الذي يغزو العالم. فلا وقت لدينا لاختراع أنظمة وإخضاعها لتجارب عدة لتضيع مزيد من السنوات، بل علينا أن نجرب أنظمة تم اختبارها في دول متفرقة لنصنع منها طريقاً ذا هدف واضح لرفع مستوى التعليم، وجعل المدرسة بيئة جاذبة لا طاردة، وتعزيز قيمة المعلم بجعله أفضل صديق للطالب ومصدراً موثوقاً للعلم.

ولا يوجد أفضل من نموذج فنلندا التي تتصدر قمة التصنيف العالمي لنظام التعليم، لنطبق على الأقل 90 في المئة من نظامها التعليمي، فحين أدركت الحكومة الفنلندية أن نجاح تعليمها يعتمد على قدرات معلميها بشكل أساس، وفّرت كل ما يحتاجه المعلمون، من حوافز مادية ودعم معنوي أساسه الاحترام والتقدير، وهذا ما نحتاجه لمعلمينا أيضاً.

وبعد أن أرسلت وزارة التعليم عدداً كبيراً من معلميها ومسؤوليها لفنلندا للعمل والتدريب، حتى يتسنى لهم تطبيق ذلك الأنموذج المميز في مدارسنا، عليها أن تدرك أن تطبيق أي نظام مميز لن ينجح بالشكل الذي نأمل إن أخذنا في قصقصته على أهوائنا، وأخذ ما نريد وتغيير ما لا يعجبنا من الأسس، من دون الموازنة بحكمة.

فمن أكثر الأسباب التي جعلت دولة صغيرة مثل فنلندا تتصدر التصنيف العالمي لنظام التعليم، إعطاء واجبات مدرسيّة قليلة نسبياً، وإجراء اختبار واحد إلزامي في سنّ الـ16، لأن نظام التعليم معتمد على أسس متينة كانت قد عملت عليها الحكومة والوزارة قبل دخول الطفل المدرسة، فمنذ عام 1930 والحكومة الفنلندية تقدم صندوق الطفل بالمجان، الذي يوفر ويعطي جميع الطبقات الاجتماعية بالتساوي مستلزمات الأطفال في عامهم الأول، من كتب وثياب وأحذية وألعاب وأسرّة للنوم، لتُعفي الأمهات من العبء المادي والنفسي، وحثهن على التركيز على ما هو أهم وهو العناية بتربية الصغار، إضافة إلى ذلك تحصل الأمهات على إجازة مدفوعة الراتب لمدة أربعة أشهر بعد الولادة، وستة أشهر إضافية تقدم اختيارياً للوالدين.

فإذا أحببنا أن نصلح التعليم علينا إصلاح أساسه، وإصلاح طريقة تناوله من البداية والتعاطي معه بحرص واهتمام أكبر، ووضع سلسلة من الأنظمة لدعم وتهيئة العملية التعليمية من ولادة الطفل وقبل سن المدرسة.

فمثلاً، تقوم الحكومة الفنلندية أيضاً بتوفير روضات (مجانية) تتميز بمعايير رفيعة المستوى لاستقبال الأطفال في عامهم الأول وحتى العام السابع قبل دخول المدرسة، لتصبح تلك الروضات من أفضل الأماكن المحببة للأطفال، وليس مكاناً يتركون فيه فقط لحين انتهاء أعمال والديهم، بل يتم اللعب والتعلم والاستكشاف وتكوين صداقات، فما أن يبلغ الطفل سن دخول المدرسة حتى يكون قد تعلم الكثير من الأساسيات أثناء اللهو واللعب، وكوّن شخصية وحصل على أساس صلب ومتساوٍ من جميع النواحي وبالمجان، دون أن تظل الأم تعاني من تكلفة الروضة وتكلفة مستلزمات الطفل.

كما أن وظيفة التعليم في فنلندا من أفضل الوظائف التي تتفوق على وظائف مثل الطب والمحاماة، ولكي يفوز المتقدم على وظيفة معلم مثلاً عليه أن يحصل على درجة ماجستير بحثية (تدفع الحكومة تكاليف دراستها)، والحصول على تلك الدرجة يتطلب درساً وتدريباً قد تمتد من خمس إلى ثمان سنوات، قبل أن يتمكن المعلم من قيادة فصل دراسي.

فحين تقرر وزارة التعليم نقل تجربة فنلندا ينبغي ألا تقتصر بنقل تجربة اختبارات المسح والتقييم فقط، بل بتطبيق كل ما من شأنه أن يرفع معنويات الطفل في المدرسة، مثل فرق الرفاهية التي يوظفها النظام التعليمي في فنلندا والتي تختص بسعادة الأطفال داخل المدارس، فإضافة للغات والرياضيات والعلوم يتعلم الطفل الرياضة والرسم والنحت والموسيقى والآداب العامة، ويقومون بواجبات مدرسية أقل من نظرائهم في باقي دول العالم، لإفساح مجال أكثر للعب والمرح، فلا يضعون الطفل تحت ضغوط مرهقة مراعاة للمراحل العمرية التي يمر بها أثناء التعليم، من طفولة ومراهقة، فلا توجد اختبارات إلا في المرحلة الثانوية، ويترك التقييم للمعلم الذي يراقب ويتابع تقدم الطالب طوال مراحل دراسته، وهذا في حد ذاته قرار شجاع ينبغي أن تفكر جدياً وزارة التعليم هنا بتطبيقه.

الأهم من ذلك، حين يتعثر أحد الطلاب في فنلندا يتدخل المعلم بدعم غير محدود من الحكومة لمساعدته للحاق بزملائه ولا يوصم بعبارة «راسب»، إذ تعتبر المساواة في الفهم بين التلاميذ من أهم عناصر نجاح التعليم، فمستوى الطالب هو هدف المعلم وليس الاختبارات ودفاتر التحضير ومتطلبات التوجيه التربوي والوزارة.

فعدم وجود اختبارات في فنلندا أعطى مساحة أكبر للمعلمين للتركيز على المواضيع التي يحتاجها الطلاب، وتقييمهم بأسلوب يعتمد على قدراتهم الفردية ولا ينسف ما تعلمه في سنة، لأنه لم يستطع حل ورقة في ساعتين أو ثلاث.

ونحن – كأولياء أمور- نرى أن أبناءنا ينقصهم الكثير من المهارات للتعامل مع تحديات الحياة والمرحلة الزمنية الحالية والمتسارعة التي يمرون بها، ولو كنت مكان وزير التعليم الجديد لاعتمدت فوراً طريقة الفهم والإدراك لتقييم مستوى المعلم وخبرته في توصيل المعلومة للطالب وتحبيبه في المادة، وأوقفت ذلك الكم المبالغ به من الاختبارات والواجبات المدرسية.

———————————————-

هالة القحطانى

* كاتبة سعودية.

الحياة

رابط مختصر
2019-01-16 2019-01-16
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

كل الوطن1