يا خالد التركِ .. جدّد خالد العربِ

2013 03 18
2014 03 09
يا خالد التركِ .. جدّد خالد العربِ
د عبد العزيز قاسم

العنوان عَجْز بيت شهير لأمير الشعراء أحمد شوقي، قالها في عام 1921، مفاخرا بمصطفى كمال أتاتورك ـ ما غيره ـ القائد العثماني، قال فيها مثنيا:

 

الله أكبر كم في الفتح من عجب… يا خالد الترك جدّد خالد العربِ

 

تحية أيها الغازي وتهنئة… بآية الفتح، تبقى آية الحقبِ

 

الذي جعلني أستدعي أمير الشعراء هنا، هو موضوع الإصلاح، فأتاتورك وقتها كان ذا صيت عريض، وجماهيرية طاغية، بوصفه إصلاحيا، ومنقذا للأمة العثمانية إذ ذاك. والرجل بدهائه، كان مقدِّرا ـ في بدايات أمره ـ للدين، ومعظّما للشريعة، وكل شعارات الإصلاح التي نادى بها في بواكير ثورته، انبثقت من تعاليم الإسلام، ولم يصدم مجتمعه، أو نفّر رهطه من المؤمنين به ـ الشباب خصوصا ـ وصادمهم في عقيدتهم. إذ لو فعل، لانفضوا عنه.

 

الرجل ذهب إلى رفع المصاحف لجنود الخلافة العثمانية ليقاتلوا، في تلك الحرب مع اليونانيين، وقتما احتلوا مدينة (أزمير) بعيد الحرب العالمية الأولى، وطالب العلماء والمشايخ بقراءة(صحيح البخاري) في مساجدهم، واتكأ إلى العاطفة الدينية لدى الشعب التركي، وانتصر في تلك الحرب، في وقت كانت الدولة العثمانية مكلومة، بسبب تبعات الحرب العالمية الأولى، وخلع عليه إثر ذلك الخليفة عبدالحميد الثاني لقب “الغازي”، وهو لقب كان ينفرد به فقط سلاطين آل عثمان، وذاع صيته، في كل دولة الخلافة، وأحبه الناس، حتى إن أمير البيان شكيب أرسلان، وصفه بالمجاهد الكبير.

 

برأيي، أننا لو عشنا دقائق تلك الفترة، وسمعنا بكل دعايات الإصلاح، لم نملك سوى أن نسحر من كاريزما الرجل، وما وسعنا سوى التأييد والتصفيق لذلك الإصلاحي الكبير للأمة العثمانية، سيما وأنه عندما أشعل ثورته، اشترطت عليه النخب الإصلاحية التي انضمت لدعوته، عدم التعرض للخلافة، ووافقهم. بيد أنه قام بالتأليب المتدرج على الخليفة العاجز، وعلى تشويه صورة العلماء، ووصمهم بأنهم جامدون، وفقهاء سلاطين، واستطاع باقتدار غرس صورة العلماء في روع الأمة، كفسدة مسايرين للحاكم، كي تضعف كلمتهم، ولا يعود لفتاواهم أي تأثير على المجتمع، في مقابل تغزّله هو بالشعارات الإسلامية في الإصلاح.

 

حقا إن في التأريخ لعظات، لو تأملناها يا سادة، لربما تجنبنا كثيرا من المآزق والخسائر التي نقدم عليها، من وحي حمّى وفورة اللحظة، ونزوع أنفسنا للثمرة العجلى، دون تبصّر للمآلات. دونكم ما صفعنا به التأريخ، وما فعله الرجل على أرض الواقع، فالوثائق التي أفرج عنها لاحقا، أنبأتنا كيف كانت صلات الرجل مع المخابرات البريطانية، وكيف أملت عليه إن أوصلته لسدة الرئاسة أن يفعل، والرجل وافق عليها بلا شرط، وحالما نجحت ثورته، وأزاح الخليفة العثماني من طريقه، نفذ ما طلبته منه بريطانيا عن طريق وزير خارجيتها وقتذاك اللورد كريزون.

 

ففي(27 رجب 1342 ـ 3 مارس 1924) ألغى مصطفى كمال الملقب بأتاتورك الخلافة العثمانية، وطرد الخليفة وأسرته من البلاد، وألغى وزارتي الأوقاف والمحاكم الشرعية، وحوّل المدارس الدينية إلى مدنية، وأعلن أن تركيا دولة علمانية، وأغلق كثيرا من المساجد، وحوّل مسجد (آيا صوفيا) الشهير إلى كنيسة، وجعل الأذان باللغة التركية، واستخدم الأبجدية اللاتينية في كتابة اللغة التركية بدلا من الأبجدية العربية، وبلع ذلك الإصلاحي الكبير، كل ما وعد به أنصاره، والشباب الذين التفوا حوله، واستقوى بالجيش، وساعده الغرب بإعلامه، ودعمه في تقويض الدولة، وبناء دولة علمانية حديثة.

 

ربما، لست في درس تاريخ هنا، بقدر ما أود من المتصدرين للإصلاح – من التيار الإسلامي خصوصا- الإفادة من تلك التجربة العظيمة الأثر في واقع أمتنا، بعدم ترك العواطف التي تجذبنا قسرا للشعارات الخلّب، على حساب الحكمة والتبصر في النهايات، كي لا نكتشف لاحقا أننا كنا جزءا من مخطط، يهدف لاجتثاث هذا الكيان، وقد خسر الجميع فيه، وخصوصا أحبتنا في التيار الإسلامي، الذين لن يجدوا أبدا من سيتترسون به، ويتكئون عليه في الملمات، مثل دولتنا اليوم.

 

أو تظنون يا سادة، أن الغرب راضٍ عن منهجنا السلفي هنا في أرض الحرمين، وقد سمعتم بوش الابن ووزير خارجيته القبيح رامفسيلد، قاتل النساء والأطفال، وهو يصمنا ومناهجنا وإسلامنا، بالتطرف، وتقوم وسائل الإعلام هناك، بتصويرنا ببلد الإرهاب.

 

للمرة المليون أكرر، بأن دعوتي لأحبتي هنا بالنظر لمآلات الأمور، وعواقب التأليب، وذلك لا يعني أبدا التقاعس عن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام بواجب الإصلاح، ومساعدة دولتنا في القضاء على الفساد، والتنبيه على التقصير والخلل، باتباع طرائق ما كان عليه علماء السلف، واستصحاب قواعد الشريعة، في موازنة درء المفسدة الأصغر بالأعظم،وقياس المصالح، في تقديم المصلحة الكلية على الخاصة، والمحافظة على مكتسبات الوطن، فالإصلاح واجب على كل محب لهذا الوطن وولاة أمره.

 

أتمنى، أيها الأحبة، ألا نبكي كما أحمد شوقي، عندما اكتشف زيف خالد “الترك” لاحقا، فأنشد ينعى الخلافة الإسلامية، ويهجو أتاتورك بقصيدته الحزينة، ذائعة الصيت:

 

بكت الصلاةُ وتلك فتنةُ عابثٍ… بالشرع عربيدٌ بالقضاء وقاحِ

 

أفتى خزعبلةً وقال ضلالة … وأتى بكفرٍ في البلاد بواحِ

 

يا للتأريخ!! ..يدعونا لنتعظ، ولكننا كعادتنا، أميّون لا نتعلم..

 

الوطن

رابط مختصر
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.