ديفيد ريبوي: لماذا الإعلام الأميركي في حربٍ مع السعودية؟

كل الوطن - فريق التحريرآخر تحديث : الأحد 14 أبريل 2019 - 5:17 مساءً
ديفيد ريبوي: لماذا الإعلام الأميركي في حربٍ مع السعودية؟

يُدرك معظم متلقي الأخبار أن الإعلام – بشكلٍ عام – يُفضل شخصياتٍ على أخرى. فهم يهْتفون لمن يصنفونهم أبطالاً، وفي الوقت ذاته، يقتنصون أية فرصة سانحة لمهاجمة من يصنفونهم أشراراً.

نُدرك منذ فترة طويلة، عبر الاستبيانات وغيرها من طرق القياس، أن الصحفيين لديهم تحيزات سياسية واضحة.

كما لم يعد موضع جدل بأن وسائل الإعلام الأميركية تميل إلى اليسار بأغلبية ساحقة وتفضّل الديمقراطيين على الجمهوريين.

ويُعتبر الأشرار الأجانب في وسائل الإعلام هم أعداء اليسار السياسي، وهذا يعني شن هجمات لا هوادة فيها على الحركات المحافظة أو القومية في المجر والبرازيل وبولندا وإسرائيل، وضد مساعي المملكة المتحدة في بريكست (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي).

وبين كل هذه القوى في تلك الدول والتحالف الذي انتخب دونالد ترمب في عام 2016، أوجه تشابه هامة، لكن ما يعرفه الشعب الأمريكي عن هذه الدول والزعماء الذين يحكمونها محصور في ما يسمعونه في وسائل الإعلام. وبطبيعة الحال هذا يجعل الصحفيين والكتاب أصحاب نفوذ قوي يشكل الرأي العام حول العلاقات الخارجية الأمريكية.

من المؤكد أن الدول في الشرق الأوسط القريبة لأمريكا تصنف شريرة. وإلى حدٍ ما، يُنظر إلى الدول المتطرفة أو المعادية لأمريكا – مثل تركيا وقطر وإيران – على أنهم محاربون ضد الهيمنة العالمية الغربية، يستحقون التعاطف معهم، بالرغم من كل السيئات المعتادة المنسوبة للإمبريالية والرأسمالية إلى آخره موجودة فيهم أيضاً.

ومن ناحية أخرى، فالدول المتحالفة مع أمريكا مثل المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة هي الدول التي تثير غضب هؤلاء الصحفيين لأن هذه الدول تتخذ موقفًا أكثر صرامة ضد تسييس الإسلام عمومًا، والإخوان المسلمين بشكلٍ خاص. وقد حظرت هذه الدول العربية الثلاث – في السنوات الأخيرة – جماعة الإخوان المسلمين. والإمارات اتخذت نهجًا أكثر صرامة إذ أنها ضد الجماعات الإسلاموية في أمريكا والتي لها جذور إخوانية، مثل مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية، كير، ومنظمة الإغاثة الإسلامية، إذ صنّفت هذه الجماعات لأنها تمثل أدوات إخوانية قوية التأثير وتسوق الكراهية والعداء تجاه هذه البلدان مثل الإمارات والسعودية على الصعيد العالمي.

ولا يوجد دولة يعاديها الإسلامويون المتطرفون واليساريون أكثر من السعودية، وهي أقوى الدول العربية – على الأقل كما يتضح من العدد الهائل من التغريدات الهائلة حول هذا البلد من قبل إلهان عمر عضوة الكونغرس الجديدة والمفضلة لدى جماعة الإخوان. وآخر رواية لليساريين المؤيدين للإسلامويين هي أن السعودية وراء التعصب المناهض للإسلام. يُذكر أن عُلا سالم وحسن حسن قد كتبا مقالة في فورين بوليسي بعنوان “الأنظمة العربية هي أكثر كيانات الإسلاموفوبيا بطشًا في العالم”.

وفي أواخر شهر أكتوبر من عام 2018، أصبحت الحملة في أوجها. ووصلت التغطية الإعلامية الهائلة المعادية للسعودية في الصحف الرئيسية إلى ذروتها في أعقاب مقتل جمال خاشقجي، كاتب عمود في صحيفة واشنطن بوست والمتعاطف مع جماعة الإخوان في أواخر العام الماضي، وما زال الهجوم في تصاعد منذ ذلك الحين. وبالنسبة لأنصار وسائل الإعلام، فإن زيارة الرئيس ترمب للسعودية في عام 2017 – وعلاقة جاريد كوشنر الوثيقة مع المصلح الشاب ولي العهد المناهض للمتطرفين – قد لعبت دورًا كبيرًا في جعل المملكة هدفا للتغطية المتحيزة المفرطة ضدها في وسائل الإعلام.

وبعد مقتل خاشقجي، على وجه الخصوص، صنعت وسائل الإعلام شريرًا في صورة السعودية. وقادت جهودًا ضخمة للعلاقات العامة لنبذ السعودية ومعاقبتها اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا (لتقويض حربها الدفاعية في اليمن المجاورة ضد المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران).

وقام المراسلون ضمن حملتهم ضد السعودية بالتواصل مع الشركات والفنانين الذين يقومون بنشاطات في السعودية، وطالبوهم بالتوقف وإدانة الإجراءات السعودية. وتعرضت جماعات الضغط ذات العقود المبرمة مع المملكة للمضايقة من قبل الصحفيين وغيرهم في صحيفة ديلي بيست، الذين هددوهم باستغلال الوسائل الإعلامية لابتزازهم والتشهير بهم لعملهم بشكل قانوني لتوضيح قضية السعوديين أمام الرأي العام الأمريكي. وخلال حربها الأخيرة ضد السعودية، شُجعت وسائل الإعلام من قبل منافستها، قطر، والتي أدركت أنه بإمكانها تحقيق أهدافها عن طريق تفكيك التحالف الأمريكي السعودي القديم.

وتعد قدرة قطر على التأثير على الحكومة والرأي الإعلامي في هذا البلد موضوعًا عميقًا يستحق فحصه عن كثب. (لقد ظهرتُ في فيلم جديد عن هذا الموضوع بعنوان “Blood Money”، وقد كتبت عن هذا الموضوع على نطاق واسع). نظرًا لترويجها لجماعة الإخوان وتحالفها مع إيران، بدأ يقتنع العديد من الأميركيين بشكل متزايد بأن قطر قوة خبيثة – ليس فقط في الشرق الأوسط ولكن في هذا البلد (أميركا) أيضًا.

على الرغم من كونه بلدًا غير مستقر نسبيًا – حيث يتكون 88% من السكان من العمال الأجانب، إلا أن ثروة قطر الهائلة يمكن أن تغير السياسة من خلال التلاعب بعناية في الروايات والتصورات باستخدام الإعلام كأسلحة [لصالحها] في الولايات المتحدة.

ورغم ذلك، فإن إنفاقهم الأكثر فاعلية لا يتعلق بالإعلانات المكلفة أو شركات العلاقات العامة مثل أوجيلفي “Ogilvy”، بل تقوم قطر بتمويل المراكز البحثية والوسائل الإعلامية مما يجعل من إنفاقهم ذا قيمة أكبر، ويتمكن القطريون بهذه الطريقة من تشكيل ميدان الحرب المعلوماتية، بدلاً من مجرد الرد على قصص معينة، إن امتلاك الوسائل الإعلامية أو الشراكة معها يتيح لقطر تهيئة بيئة ملائمة لمصالحها.

وفي قرار مرتبط بطريقة إيصالهم للرسائل والذي كانت له آثار استراتيجية كبيرة، كانت الإمارة الخليجية الصغيرة تتحدث لغة اليسار، حيث تمكنت قطر من كسب ود الصحفيين الحزبيين من خلال تصميم رسائلها وحملاتها الدعائية من أجل إيجاد جمهور متقبل. ومن خلال تكرار القضايا التي تهم اليسار السياسي – مثل الإسلاموفوبيا ومعاداة الرأسمالية وسيادة البيض وما شابه ذلك – تمكنت وسائل الإعلام القطرية وجماعات الضغط ووكلاء التأثير من الحصول على قدر كبير من التعاطف من هذا المجتمع القوي للغاية وصاحب الصوت المسموع.

إن هذا تكتيك مدروس في حرب المعلومات، وعلى الرغم من أنه معقد ويصعب الانضباط في رسائله، إلا أنه غالبا ما كان يستخدم في السابق. وتقدم وسائل الإعلام الروسية الحكومية الناطقة بالإنجليزية رسائل بأساليب مختلفة، وكلاً منها مؤطر بطريقة مختلفة، على سبيل المثال، معظم جمهور شبكة روسيا اليوم (RT) يساري، بينما يستهدف موقع سبوتنيك الإلكتروني الجمهور اليميني، وتروج كلا الوسيلتين الإعلاميتين للروايات الموالية لروسيا بطرق مختلفة.

وبنفس الطريقة، تروِّج شبكة الجزيرة الإنجليزية التي تديرها دولة قطر لآراء متوافقة تماماً مع جمهور يركز على العدالة الاجتماعية في الولايات المتحدة، حيث ينتقد مذيع قناة الجزيرة مهدي حسن “سيادة البيض” في أمريكا وينتقد كراهية ترمب المزعومة للإسلام، من خلال ظهوره في شبكة سي إن إن، مما يكسبه هو وشبكته مصداقية ودعم كبيرين من مشاهديها اليساريين.

جبهة التجسس الإلكتروني في حرب قطر ضد المملكة العربية السعودية داخل الولايات المتحدة، حصلت الدولة الصغيرة على مساعدة من مجموعة من جماعات الضغط الممولة تمويلاً جيداً، ولسوء الحظ بعد انتخابات عام 2016، ذهبت عدة شخصيات من دائرة ترمب للعمل لصالح قطر وكانت تقوم بمعظم النشاط المعادي للسعودية في وسائل الإعلام وفي الكونغرس. ويعمل أعضاء جماعات الضغط الجمهوريين، مثل نيك موزين من شركة ” Stonington Strategies” وستيوارت جولي وباري بينيت من شركة ” Avenue Strategies”، (بأجر يسيل له اللعاب قدره 500،000 دولار شهريًا) يعملون في الظل لمهاجمة أعداء قطر بلا هوادة.

وفي العام الماضي، اتهمت قطر بقرصنة ما يقرب من ألف شخص على مستوى العالم، بما في ذلك خصوم أمريكيين بارزين لسياساتها الإسلامية ولاعبي كرة القدم ونجوم بوليوود وخبراء في مراكز الفكر وصحفيين. وهناك دعوى قضائية حديثة قدمها أحد ضحايا التجسس الإلكتروني القطري، ناقد النظام الصريح إليوت برودي، يزعم أن جماعات الضغط الأمريكية مع قطر، ومن ضمنهم موزين، استخدمت خبيرة الإعلام والعلاقات العامة في شركة ميركوري للعلاقات العامة جريج هوارد لنشر معلومات سرية عن برودي في محاولة لتدمير سمعته.

مع سير الدعوى في المحاكم، يبدو أن قضية المدعي تزداد قوة، وتُظهر عمليات التسجيل الجديدة ضمن قانون تسجيل العملاء الأجانب جماعات الضغط التي تعمل مع المراسلين مارك مازيتي وديمن من صحيفة نيويورك تايمز، اللذين كتبا مقالات في وقت لاحق باستخدام وثائق برودي المخترقة. وربما من أجل تشتيت الأنظار عن فضيحة القرصنة القطرية الضخمة هذه، اتهم كل من الإماراتيين والسعوديين مؤخرًا بشن حروب غامضة للتجسس الإلكتروني ضد خصومهم أيضًا. وليس من الغريب أن وسائل الإعلام قد كتبت عشرات المقالات وحققت في تقارير متعمقة حول هذه الفضائح، ومع ذلك كان هناك اهتمام إعلامي ضئيل بمزاعم برودي ومزاعم الآخرين المشاركين في برنامج التجسس الإلكتروني لدولة قطر.

في القضية الأكثر شهرة، اتهم مالك صحيفة واشنطن بوست (جيف بيزوس) منذ فبراير السعودية، دون دليل باختراق هاتفه وشراء رسائل نصية شخصية محرجة بينه وبين حبيبته، لورا سانشيز. وعلى الرغم من أن الفحص اللاحق قد كشف أن مايكل، شقيق لورا الغاضب، كان مسؤولاً عن تسريب رسائل بيزوس النصية، وقد اعترف بفعلته، إلا أن حملة بيزوس مستمرة ضد السعودية ولم تخف حدتها.

وقام جوردان شاختل الذي يعمل لصالح موقع كونزرفاتيف ريفيو بتغطية هذه القصة تغطيةً مُكثفة، موضحًا كيف قبلت وسائل الإعلام ادعاءات بيزوس عن تورط السعودية بدون تمحيص. وجمع المونولوج الافتتاحي لتكر كارلسون في 8 فبراير سلسلة مسلية من المقاطع تُظهر مجموعة من الصحافيين ذوي الميول اليسارية وهم يُذلون أنفسهم بترديدهم لمزاعم بيزوس.

وبالطبع، فإن بعضا من هذا التطبيل الإعلامي له علاقة بملكية بيزوس لصحيفة واشنطن بوست، المزود الرائد للرسائل المعادية للسعودية منذ وفاة جمال خاشقجي الذي كان يكتب لصالحهم في وقتٍ ما. وبالطبع أيضًا، فإن التملق لأغنى رجل في العالم أمر متوقع، إن لم يكن يُحترم.

من فضيحة روسيا إلى فضيحة السعودية؟ هل يؤمن بيزوس بنظرية المؤامرة الخاصة به حول الاختراق السعودي؟ وفي هذا الصدد، هل يعتقد بأن نظريات المؤامرة التي تتعلق بروسيا (اتهامها بالتواطؤ مع ترمب وكذلك بالتدخل في الانتخابات الأميركية) والتي كانت تقوم بنشرها صحيفته، صحيفة واشنطن بوست، منذ ثلاث سنوات؟

ومع تلاشي فضيحة روسيا بإصدار تقرير روبرت مولر وعدم توجيه لوائح اتهام مرتبطة بالتواطؤ مع روسيا لأي شخص من فريق ترمب، بدأ الجميع، باستثناء المهووسين بنظريات المؤامرة والتواطؤ، في الاستيقاظ من كوابيسهم السيريالية. ولكن يبدو أن رواية (الرئيس الخائن والمتواطئ مع قوة أجنبية) مغرية لمعارضي الرئيس مما يجعل من الصعب عليهم التخلي عن هذه الرواية.

مع ذلك، ودون التقليل من شأن حدة هجمات وسائل الإعلام اليسارية على روسيا، إلا أن هذا البلد لم يصبح أبدًا من بين من تصنفهم الصحافة أشرارًا. وعلى الرغم من انتقاد ريتشل مادو للاتحاد السوفياتي السابق وقيادته انتقادًا حادًا، إلا أن التحدث عن شر روسيا لم يكن سوى مجرد محاولة لمهاجمة ترمب وأسرته والأشخاص المرتبطين به. لقد أصبح فلاديمير بوتين هدفًا للحزب الديموقراطي من أجل استخدامه كهراوة لضرب الرئيس فقط. لقد احتضنت سياسة باراك أوباما الخارجية روسيا، ولولا انتخابات عام 2016، لما ظهرت دعوات لإعادة تقييم علاقة أمريكا مع ذلك البلد بشكل كبير.

وكما رأينا، فإن الطريقة التي تعامل بها الإعلام مع السعودية تختلف. فخلال الأشهر القليلة الماضية، ظهرت رغبة واضحة وملموسة بين الصحافة اليسارية والسياسيين الديمقراطيين ليس فقط في كسر العلاقات الاستراتيجية المتعددة الأجيال بين الولايات المتحدة والسعودية، ولكن أيضا التدخل فيها داخليا.

وبالنسبة لهؤلاء المهووسين، فإن الشرير والرواية هما دائمًا الشيء ذاته؛ لكن التفاصيل هي التي تستمر في التغير. وبالفعل، بدأ بعض المتصيدين المحترفين على موقع تويتر مثل Bill Kristol وEd Krassenstein في التركيز على السعودية كالموقع القادم المحتمل لخيانة الرئيس التحريضية المزعومة. وقد يقولون مع تزايد يأسهم، “ربما أنه ليس عميلًا روسيًا لكنه بيدق بيد السعوديين”.

نقلا عن العربية نت

رابط مختصر
2019-04-14 2019-04-14
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

كل الوطن - فريق التحرير