سلطان البازعى :جهاز ذكي ومستخدم غبي

كل الوطن1آخر تحديث : الجمعة 19 أبريل 2019 - 11:38 مساءً
سلطان البازعى :جهاز ذكي ومستخدم غبي

أنا من مستخدمي خرائط غوغل بكثرة، أستخدمها في كل رحلاتي بالسيارة خارج المدينة أو داخلها، حتى حينما أكون أعرف الطريق إلى وجهتي جيداً.. بيتي مثلاً، والسبب بسيط للغاية فهذا التطبيق الذي دخل إلى حياتنا بشكل سلس مثل غيره من التطبيقات الذكية، لا يدلك على الطريق فقط وإنما يستطيع أن يختار لك الطريق الأفضل لتجنب ازدحام المرور ويخبرك بالوقت اللازم للوصول إلى وجهتك بدقة كبيرة، بل إنه إذا استخدمت ميزاته الكثيرة يستطيع أن يخبرك بالوقت الذي يجب أن تخرج فيه من منزلك أو مكتبك إلى موعدك القادم أو إلى المطار (إذا عرف مسبقاً برقم الرحلة) حتى تصل في الوقت المناسب.

وكأي مستخدم عادي وغير مختص كنت أتساءل: كيف يستطيع هذا التطبيق قياس زمن الرحلة بالسيارة أو على الأقدام بين نقطتين؟ وكيف يستطيع معرفة المواقع المزدحمة على الطريق فيرشدك إلى الطرق البديلة؟ بل إنه يستطيع معرفة التحويلات الطارئة على الطريق فيبعدك عنها أو يرشدك للالتفاف حولها، حتى في المواقع البعيدة عن المدينة في الطرق السريعة يتعرف على وجود ازدحام فيرسم خطاً أحمر على الشاشة وعندما تصل إلى بداية المنطقة الحمراء تعرف أنك اقتربت من نقطة تفتيش أمني أو حادث تسبب في هذا الازدحام.

طرح الأسئلة هو الطريق إلى المعرفة، لذلك سألت غوغل نفسه، الذي أفادني أن المبدأ بسيط، فالنظام يعتمد على المستخدمين أنفسهم، فهو يجمع البيانات التي تبثها الأجهزة الذكية التي يحملها مئات الآلاف من حملتها على هذا الطريق، ويكونون في الغالب يستخدمون تطبيق الخرائط، ويقيس سرعة تقدمهم على الطريق وبالتالي يعرف أن هناك تجمع كثيف للسيارات في نقطة ما، أو هي جلطة مرورية فيبلغك عنها، كما أنه يعطيك توقيت الوصول بناء على السرعة المحددة على الطرق وهي مخزنة في الخرائط الرقمية وصور الأقمار الاصطناعية للمدن، وبناء على سرعة تقدمك على الطريق.

طبعاً هذا تبسيط مُخلٍ لعمليات معقدة تقوم بها هذه الأجهزة الذكية التي تطورت حتى أصبحت لا تحتاج لأن تتصل بالشبكات وبمخازن وحواسيب البيانات السحابية، فتجري العمليات داخلياً لتعطيك النتيجة على شاشة الهاتف، ونحن نتعامل معها في حياتنا اليومية كأمر مسلم به كما نشرب كأس الماء من دون أن نعرف كيف تصل إلينا، حتى كأس الماء قليل من يتساءل كيف يصل إلى شفاهنا.

مبدأ جمع البيانات من المستخدمين، وهو يعرف باسم Crowd sourcing هو واحد من المبادئ التي جاءت مع انتشار استخدام الإنترنت والأجهزة الذكية، من الهواتف النقالة والأجهزة اللوحية والساعات، وهو يقوم على تحليل بيانات المستخدمين ليتمكن من تقديم الخدمات، أو بيعها لهم إن شئتم، بما يتناسب مع حياتهم، وليس بالضرورة للتجسس عليهم كما هو شائع، وهذا المبدأ هو أحد مسرعات ظهور الذكاء الاصطناعي الذي يتوقع منه خلال العقدين القادمين أن يغير حياة الإنسان وطريقة عيشه بصورة درامية، وبأكثر مما شهدناه في العقود الثلاثة الأخيرة التي أعقبت ظهور الإنترنت، خاصة مع انتشار تقنية الجيل الخامس من شبكات الاتصال، وإطلاق الإنترنت الفضائي المباشر من الأقمار الاصطناعية، والتوسع في تقنية إنترنت الأشياء.

التغيرات لن تكون اجتماعية فحسب، ولكنها ستكون اقتصادية أيضاً، فالتجارة والبيع والشراء والتعاملات المالية لن تكون كما عهدناها، والسياسة والعلاقات الدولية ستتغير أيضاً، كما أن جرائم القتل والحروب ستتطور بدورها، وهذا هو الجانب الشرير من الإنسان الذي اكتشف النار في بداية تحضره ولم يكتفي باستخدامها في التدفئة وطهي الطعام وإنما اكتشف قوتها في التدمير والقتل أيضاً.

ومن أهم ما يتنبأ العلماء الاقتصاديون به من التغيرات، هو تأثير الذكاء الاصطناعي على عمل الإنسان، فمن المتوقع أن تقوم الأجهزة الذكية بكثير من الأعمال بدلاً منّا، وهي تتنوع من السيارات ذاتية القيادة إلى القطارات وربما الطائرات، وإجراء الجراحات، والتصنيع، والبناء.. وأعمال أخرى أشد تعقيداً، ومن أطرف التطبيقات التي ظهرت أخيراً تصميم برنامج قادر على إعطاء تحليل مكتوب لمجريات التداولات في الأسواق المالية أو مباريات كرة القدم من دون تدخل إنساني.

وكان الجدل بين الاقتصاديين منذ السبعينات والثمانينات من القرن الماضي يقوم حول ما إذا كان استثمار الشركات في تقنية المعلومات لتحسين وصول منتجاتهم للمستهلكين مجدياً أم لا، وتوصلوا إلى أنه غير مجد لأنه ببساطة لا يؤثر على زيادة الانتاج ولا جودته، وكان التوجه الصحيح هو تبني نماذج عمل قائمة على الفكر الرقمي بشكل كامل، الأمر الذي جعل شركة مثل أمازون تتعملق بسرعة مذهلة لتتفوق على عمالقة الصناعة التقليدية.

وهكذا فإن التهديدات التي تحملها التطورات التقنية الجديدة يمكن تفاديها في مجتمعنا إذا تخلينا عن الخوف التقليدي من هذا البعبع المجهول، وغيرنا من أسلوب تعاملنا معه، من الاستخدام السلبي الغبي إلى التفاعل الإيجابي الذي يبدأ بطرح الأسئلة والبحث عن إجاباتها بما يجعلنا ضمن الحدث لا على هامشه.

الخطوة الأولى تبدأ في تغيير نظامنا التعليمي وتوجيه أبنائنا إلى التفكير الإبداعي، وتحريض عقولهم على التفكير لا على التنفيذ، هنا فقط يستطيع الإنسان التغلب على أي ذكاء اصطناعي، فلا يبدو أنه يمكن على المدى القريب أو البعيد برمجة تطبيق قادر على امتلاك مشاعر الإيمان والشك والخوف والحب والشغف.

—————————————————–

سلطان البازعى

الحياة

* كاتب سعودي.

رابط مختصر
2019-04-19 2019-04-19
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

كل الوطن1