ولكن لعلك رأيت وتفاعلت مع نماذج لأشخاص أتعبتهم مسيرتهم نحو قمم الطموحات لأنهم لم يتأمّلوا يوماً في فقر القدرات أو ضعف المعارف ونقص المهارات.

نعم مشكلة بعض الطموحين أنّه لا يقيس – قبل التنافس والمكابدة – مدى قدرته على الصمود حينما يحشر نفسه في موقع علمي أو إداري رفيع يتطلب منه عرض قدراته كل يوم. رأيت ذات مرة أنموذجاً لشخص طموح وصل إلى موقع إداري بقدراته الاجتماعية ومازلت أذكر شدّة حرجه أثناء اجتماع عمل مع فريق خبراء محترفين. لم يتوقف عن طرح أسئلة بدهية، والاستفسار عن مصطلحات فنية هي من صميم أساسيات عمله وتخصّصه العلمي. ومصدر الحرج كان أن أحد الخبراء بعد أن أجابه مرتين ضاق ذرعاً ولم يتردّد في الاحتجاج على تضييع الوقت في تفسير مصطلحات يعرفها طلاب السنة الجامعية الأولى في ذات التخصص.

كثيرون لا يدركون أن منبع القدرات في غالبها ملكات ومواهب يميّز بها الخالق بعض خلقه، وحين يحالف هؤلاء الموهوبين التوفيق للتزوّد بالمعارف وصقلها بالمهارات يصبحون أعلام تخصّصاتهم ورموز مجتمعاتهم وحاصدي الجوائز الكبرى. نعم قد يصل بعض الطموحين الانتهازيين عديمي المواهب والقدرات لمواقع قرار باستغلال غفلة إداريّة أو وصلة اجتماعيّة ولكنهم لا يعمّرون طويلاً؛ لأن المهام والأزمات تكشف القدرات والمعارف والمهارات.

ومن عجائب بعض هؤلاء الطموحين الفارغين أنهم لا يتردّدون في ترشيح أنفسهم والضغط على رؤسائهم وزملائهم لإعطائهم مهمات دقيقة أو ترشيحهم لقيادة فرق عمل محترفة دون حساب للعواقب.

ومشكلة هؤلاء تكمن في عدم التحرج من التصدّر لأمر لا يحسنونه، وتكون المصيبة أعظم حينما يكون التصدّر أمام ذوي قدرات فذّة. وعادة ما يحرص بعض ضعيفي القدرات والمؤهلات على تكرار عبارة “تكافؤ الفرص” قبل أن يرفع واحدهم يده منتخباً نفسه لرياسة أو قيادة فيستحي العقلاء الأكفاء ليتصدر هؤلاء، ولا تسأل عن النتائج. وربما يلخّص مثل إنجليزي عجيب صراع الطموح والقدرات حيث يقول المثل: الطموح خادم جيد ولكنه سيّد فظيع (Ambition is a good servant but a bad master).

  • قال ومضى:

ربما نسيت اسمك فذاكرتي لا تحتفظ إلا بالأشياء الثمينة!