العانسات.. الواقع المرير ومحاولات إثبات الذات!!

العانسات.. الواقع المرير ومحاولات إثبات الذات!!
كل الوطن

(كل الوطن، أسامة الفيصل – خاص)

لماذا يحارب المجتمع الفتاة «العانس» ويعاملها بدونية؟ وما المقصود بهذه التسمية الجائرة البغيضة للفتاة «عانس» لدرجة إسقاط تاء التأنيث من آخرها؟ ما هو الخلل في النظرة إلى الفتاة «العانس»، وهل يعود ذلك إلى أسس تربيتنا في تعاملنا مع الفتاة بشكل عام، أم إلى ماذا يشير هذا الأمر؟ لماذا الفتيات اللبنانيات «العانسات» أكثر «قسوة» مع الرجل حد «الاحتقار»؟ وهل هو تعويض عن «مركب نقص» للحاق بركب المتزوجات ولكن وفق شروط أفضل مع أن قطار العمر انقضى؟!

ارتفاع نسبة العنوسة

ونقل رئيس تحرير صحيفة الديار اللبنانية، شارل ايوب في مقال له عن دراسة أجرتها مؤسسة تابعة لمصرف يهتم بالتنمية البشرية، تبين أن عدد الفتيات العانسات وصل إلى 70% بينما هنالك 30% من الشباب غير متزوجين. ويمكن القول أن سفر 250 ألف شاب لبناني إلى الخليج جعل هذا الفارق الكبير بالنسبة للفتيات العانسات الذين لا يجدن أزواجاً لهن.

لماذا الفتيات اللبنانيات «العانسات» أكثر «قسوة» مع الرجل حد «الاحتقار»؟

وفي إحصاء الدراسة التي قدمتها المؤسسة، كتبت تقول أن أرخص شقة صغيرة في الأبنية الجديدة سعرها 200 ألف دولار، ولا يستطيع شاب راتبه 1500 دولار أن يحصل على مبلغ لدفع ثمن الشقة. ورغم أن صندوق الإسكان ووزارة الإسكان ساهما كثيراً في تقديم مساعدات مع مصرف لبنان والمصارف لإعطاء قروض من أجل الشقق، فإن الشباب اللبناني يجد أن عمره وصل إلى 30 سنة وهو غير قادر على شراء منزل. وهي مشكلة حقيقية، إذ يطالب الشباب أهلهم بأن يكون لهم منازل.

تشير الدراسات المنشورة في لبنان، أن نسبة العزوبية ارتفعت في لبنان من 3 في المئة في السبعينات إلى 11 في المئة أواخر التسعينات. كما تشير دراسات أخرى إلى وجود 15 مليون عانس عربية، أكثرهن من المثقفات وصاحبات الشهادات العالية.

وللعنوسة أسباب اقتصادية ونفسية، ولكنها في الواقع هي أزمة اجتماعية بامتياز، لا تشكل عامل تهديد للأمن الاجتماعي، بل تخلق عبئا نفسيا للفتيات اللواتي تخطين عمر الزواج وأصبحن «عانسات».

يلعب العامل الاقتصادي الدور الأكبر في زيادة نسبة «العنوسة»

ويعتقد أيوب أن هذه الحالة الاجتماعية بدأت تنعكس لدى المسيحيين خاصة، وان عدد الطلاب المسيحيين في المدارس يتراجع إلى الوراء، ويقول بعضهم ان خلافات القادة الموارنة في ما بينهم والحروب التي بدأت منذ فترة طويلة، منذ أيام المردة والقوات اللبنانية، إلى حرب القوات اللبنانية بين الدكتور سمير جعجع وايلي حبيقة، إلى حرب بيروت، بشأن العلمين، بين الحزب التقدمي الاشتراكي وحركة أمل، ثم الحرب التي شنّها الجيش السوري في دخول المنطقة الشرقية وإزاحة العماد ميشال عون. كذلك حرب السنتين، حيث كان يستشهد كل يوم 100 شاب  ولفترة 7 أشهر. كما أن الهجرة إلى كندا وأميركا فاقت مليون لبناني، أكثريتهم من المسيحيين، ولذلك تجد الفتاة في لبنان صعوبة في اختيار زوجاً لها، ولا تجد إمكانية من اجل إيجاد عريس لها تتأقلم وتنسجم معه وتستطيع أن ترتاح في زواج يكون منطلقاً لعائلة سليمة، بل تسمع من الفتيات من يقول إن الشباب في لبنان بلهاء لا يفهمون شيئاً.

وفي المقابل، يردّ الشباب على الفتيات بالقول أنهنّ سطحيات، ولا يهمهن الا المظهر الخارجي. وباتوا يلحقن أصحاب الملايين والسيارات الفخمة كي يصرفوا عليهن.

لذلك فالمشكلة اجتماعية بامتياز وإذا كان الموضوع قانون انتخابات وغيره هام، فان المشروع القائم بعدم الزواج وانحسار هذا العدد إلى عدد ضئيل، يشكل مشكلة فعلية على مستوى كل الطوائف في لبنان.

متى تعبر المرأة عانساً؟!

يوجد 30% من الشباب غير متزوجين…

وفي المجتمعات البدوية القديمة كانوا يعتبرون من تخطت الثامنة عشرة من العمر من دون زواج “عانسا” بينما اليوم ومع تطور المجتمعات أصبح هذا المصطلح يطلق على اللواتي اقتربن من الثلاثين ولم يتزوجن. وتختلف نسبة هذه الظاهرة بين المجتمعات، وذلك وفقاً للظروف والتقاليد والمفاهيم السائدة في كل منها. حيث يلعب العامل الاقتصادي الدور الأكبر في زيادة نسبة «العنوسة»، وذلك لعدم توفر فرص العمل الملائمة التي تسمح للشاب بالتفكير في الزواج وتكوين العائلة، وهذا العامل يشكل أحد أهم الأسباب الرئيسة في ازدياد نسبة العنوسة في بعض الدول مثل “لبنان” بينما تلعب المهور العالية في بعض الدول العربية الأخرى عاملاً لا يستهان به أيضاً.

ويرتفع سن الزواج حاليًا في لبنان، بشكل ملفت وحسب المناطق، ففي بيروت مثلاً، سن الزواج لدى الذكور هي 32 عاماً تقريباً، وهي نحو 29 سنة في محافظتي لبنان الشمالي ولبنان الجنوبي، والوضع مماثل لدى النساء فيما يتعلق بالفروقات العمرية. فسن الزواج الأول للنساء هو أقل من 26 سنة في لبنان الشمالي، وحوالي 29 سنة يعود سببها إلى المستوى الثقافي للذكور وللإناث سويًّا، وقد يرتبط ببعض العادات والتقاليد.

عدد الفتيات العانسات وصل إلى 70% …

وحسب مسح أجري (في جامعة سيدة اللويزة عام 1997م) لمجموعة مؤلفة من 400 شخص، أظهر أن العمر المثالي للزواج الأول يتراوح بين 30 و 33 سنة من العمر للذكور وبين 22 و 25 سنة للإناث. لكن حالات الزواج تظل منخفضة عن المعدلات الطبيعية، كذلك فإن الزيادة الهائلة في المستويات التعليمية للإناث خاصة، تسببت في تأخير حالات الزواج.

إرهاق بسبب المتطلبات

من عوامل ارتفاع سن الزواج – وبالتالي اتساع ظاهرة العنوسة في لبنان – الوعي الاجتماعي المُشَوَّه والذي يجعل للزواج متطلبات مادية مرهقة تدفع الشباب إلى الفرار، وتكون النتيجة ضررًا يلحق بكلا الجنسين، فالقناعة تكاد تكون معدومة عند غالبية الفتيات اللبنانيات والزواج لا يتم عادة، إلا بمصاريف باهظة بدءاً من حفل الزواج وليس انتهاء بأثاث المنزل الذي تتفاخر الزوجات بجودته وماركاته المعروفة. كل هذا يجعل تكاليف الزواج تفوق ما يمكن أن يجنيه الشاب طيلة عشرين أو ثلاثين عاماً، وبالتالي فإن الهروب من الزواج يكون هو الحل.

فهذه عبير (35 عاماً) تقول: «تقدم لخطبتي أكثر من 7 أشخاص، ووافقت على أحدهم؛ ولكن والدي فرض عيه شروطاُ اعتبرها تعجيزية: شقة تمليك، وسيارة، وحفل خطبة في فندق ذات مستوى راق…، ولكن بعد سماع العريس لتلك الشروط ذهب ولم يعد… وأنا مازلت بالانتظار!».

وتقول جاكلين (37عاماً)، «غروري بمستواي العلمي والمادي أدى بي إلى رفض من تقدم لخطبتي لاعتباره دون المستوى المطلوب»، وهي الآن وحيدة لا يطرق بابها سوى أرمل أو مطلق، وما زالت ترفض.

انصراف اهتمام الشباب

عامل آخر، يتصل بالوعي الثقافي الاجتماعي هو انصراف اهتمام الشباب اللبناني عن بناء الأسرة واتجاهه إلى مواضيع أخرى مثل اقتناء سيارة فاخرة، أو تغيير جهاز هاتفه النقال كل حين، واستخدام الهاتف لسبب أو بدون سبب مع ما يرتبه ذلك من تكاليف باهظة في لبنان. فضلاً عن إنفاق الكثير من موارده في النزهات والمطاعم، والمرابع الليلية (بالنسبة للبعض) مما يجعل دخله الشهري لا يكفي لنصف الشهر، وبذلك يدفع عن ذهنه أي تفكير في الزواج.

القناعة تكاد تكون معدومة عند غالبية الفتيات والزواج لا يتم إلا بمصاريف باهظة

يضاف إلى ذلك “علاقات خارج إطار الزواج” كأحد إفرازات ندرة الزواج أصبح بحد ذاته أحد الأسباب المؤدية إلى قلة اتجاه الشباب إلى الزواج إلى جانب العوامل الأخرى، أيضاً.

ولكن وإذا كانت «العنوسة» تسبب المشاكل النفسية للفتاة أو حتى للشاب؛ إلا أن العديد من العوانس اليوم تختلف نظرتهن للأمر هذا، خصوصاً بعدما حققنه من إنجازات.

تغيّر الظروف

وإذا كانت مشكلة “العنوسة” قلّة المال أو زيادة عدد الفتيات وقلة الشبان، وبعد أن كانت الشابات اللواتي يتجاوزن سن الخامسة والعشرين في القرن الماضي يبحثن عن عرسانهن في الإعراس والمناسبات نراهن اليوم أمام واقع جديد خصوصاً بعدما وصلت “العنوسة” إلى كل البيوت، حتى أن النساء لم يعد يأخذن بعين الاعتبار أن تقدّمهن في العمر يحتّم عليهن الزواج بمطلّق أو أرمل أو كبير في السن، فتقول إحداهن: «لن أتزوج مطلقاً من شخص أكون أنا الزوجة الثانية في حياته بدون مبرر، أو «أرمي» بنفسي من أجل الزواج بأية شروط سهلة تفقدني معنى الحياة معه. فأنا أفضّل أن أعاني لوحدي على أن أعاني مع شخص آخر يزيد من معاناتي».

هذه النظرة ساهم في ترسيخها أن فتاة هذا القرن المتعلمة لا يمكن أن تضحي بكل ما أنجزته في كل سنوات حياتها من أجل أن تحمل لقب زوجة، ولنا أن ننظر ولو بشكل سريع إلى صفحات الإعلانات المبوبة عبر الانترنت أو غيره لنرى الصفات التي تريدها الشابات بزوج المستقبل، مما يعني أنها تفكر بالزواج ولا تغيبه كفكرة ضرورية ولكنها تؤجله إلى حين حصول المراد وتحقيق الشروط «التعجيزية».

أما المحامية سناء (38 عاماً)، فتضع اللوم على أهلها، فهي تقول إن أحد زملائها تقدم إليها لكن مطالب الأهل في المهر وتجهيز الشقة أدّى بخطيبها إلى الابتعاد عنها لثقل الحمل عليه، وهي تشعر الآن أن العمر سرقها لا تجد فرصة للزواج.

الزواج «بأي ثمن»؟!

هذه النظرة ليست موجودة عند كل الفتيات اللبنانيات، وخصوصاً «المتحررات» منهن، ففي الوقت الذي تتمنى الفتيات الزواج و«بسرعة» من فارس الأحلام، أو من أي شاب «لقطة» ـ كما تقول إحداهن ـ، إلا أنه توجد فتيات صدمهن أهلهن برفضهم تزويجها بحبيب القلب، ما انعكس تشاؤما على حياتهن، وبالتالي رفضهن الزواج بشكل مطلق! فهذه نجاح (39 عاماً) تقول:«أحببت شخصاً لمدة 7 سنوات، وعندما تقدم لخطبتي رفضه أهلي بدون سبب مقنع… الآن هو متزوج ولديه أولاد. أما أنا فما زلت أعاني وأرفض الزواج من شخص آخر غيره… ما زلت أحبه، وأتمنى الزواج منه، حتى وإن كنت زوجة ثانية له»!!!

وتضيف نجاح :«… كلمة “عانس” عندما أسمعها، تسبب لي الحرج من دون أن أقترف أي ذنب. والمشكلة ليست في المصطلح فحسب، إنما الشعور بالوحدة والفراغ العاطفي، إنهما يقتلان».

الزواج بشروط «تعجيزية»!!

أما جميلة (40 عاماً) فتعتقد أنها لن تتراجع عن قناعاتها لإرضاء أي رجل، وتقول أعمل في شركة وأتمتع باستقلالية تامة. وتقول: «في حال فكرت بالزواج، فلن يكون إلا من الرجل الذي يستحق إخلاصي وتضحيتي قد أكون أحلم الآن أكثر من قبل بثوب الزفاف ولكن الحلم لن يجعلني أتنازل عن مقومات أساسية يجب أن يحظى بها عريس المستقبل، ومصطلح العانس لا يعني لي شيئاً لأن عمر الحب والزواج لا يحدد بسنوات محددة».

أما غادة حاصلة على ماجستير في الأدب العربي، فتقول (36عاماً): « لدّي أصدقاء أنجبن البنين والبنات لكنني لست مثلهن، أرضى بمن هو اقل مني علماً وثقافة وجاهاً، ولست مستعجلة على الزواج فلا يعني لي أن يكون لدي أطفال الآن في المرحلة الابتدائية، أو اكبر، فأنا أعيش في منزل أهلي ولدي دراستي واهتمامات كثيرة أهم من قول الناس عني بأنني “عانس”».

وتضيف غادة :«لن أرضى ممن هو اقل مني علماً وثقافة، فيجب على من يريد أن يتقدم لي أن يكون شاباُ جامعيا، وإلا فلا».

ورداُ على ذلك اعتبرت سناء (33 عاماً) أن «هذا غروراُ، وهو أحد أسباب “العنوسة” التي أصبحت موضة جديدة في العصر الحديث».

وتضيف: «بعض الفتيات رغم معاناتهن اليومية ـ يحاولن أن لا يظهرن ذلك ـ  يعتبرن ان العصر القديم أو عصر “سي سيّد” قد ولّى إلى غير رجعة، وذلك في ظل التطوّر الذي تعيشه الفتاة لجهة العمل وتحقيق النجاح والوصول إلى أعلى المراتب، ولكن صدقني المعاناة اليومية قاسية جداً».

أما ساندرا فقد أخذت النقاش إلى مستوى آخراً حيث قالت: «أبعدت الأزمة الاقتصادية المتفاقمة منذ سنوات عدة فكرة الارتباط ليس فقط عن ذهن الشباب، بل أيضاً عن تفكير الفتيات أيضاً، إذ أصبحت الفتاة تفكر فقط في كيفية تأمين حاجاتها اليومية من ملبس ومأكل..، فكيف بها وهي التي تعمل أحياناً أكثر من 12 ساعة يوميًّا أن تقبل بتحمل مسؤولية أسرة وأن توفق بين بناء الأسرة وإنجاب الأطفال وتأمين متطلبات الحياة؟».

الوحدة القاتلة

وعلى الرغم من الحرص الشديد الذي تبديه بعض الفتيات «العانسات» للزواج، وبعضهن الآخر «يتكبر» عليه حتى تحقيق الوضع الاجتماعي اللائق، ولكن رغم تعدد أسباب «العنوسة»، إلا أن النتيجة واحدة هي «الوحدة القاتلة»، والعمر الذي يمضي بدون توقف. وكثيرات من الفتيات شددن على أن الحياة الزوجية فقط ستحمل إليها الاستقرار الذي تسعى إليه، قد لا تزعجها كلمة “عانس” لكن يزعجها شعور الوحدة القاتلة.

كلمات دليلية
رابط مختصر
2018-02-12
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

kolalwatn