ملحمة وطن لأمم البسيطة في جمعة "الولاء والحب"

كل الوطن - فريق التحرير
2014-03-09T16:18:42+03:00
كتاب وأقلام
كل الوطن - فريق التحرير21 مارس 2011آخر تحديث : الأحد 9 مارس 2014 - 4:18 مساءً
ملحمة وطن لأمم البسيطة في جمعة "الولاء والحب"
دكتور عبد العزيز قاسم

انفلتت ابنتي ذات السنوات التسع تهلل مساء الجمعة الفارطة، وتتقافز وابني المراهق في المرحلة المتوسطة فرحاً، وهم يناكفون والدتهم التي دعتهم للنوم مبكراً بسبب المدرسة، وتبسّمت طويلاً وهم يعيّرونها بالإجازة وقد لهجوا ـ بأسلوب طفولي محبّب ـ بعبارات الحب لمليكنا الذي أغدق على شعبه حباً وخيراً عميماً طال كل بيت تقريباً في السعودية، وغمر كل الأفراد والشرائح بفئاتهم العمرية..
(جُمعتنا) أيها السادة السعودية (غير) ولنا في هذه البلاد خصوصية، حتى في أيام الجُمع، فإن سمعنا من أشقائنا العرب بجمعة (الغضب)، وجمعة (الحسم)، وجمعة (الثبات والمصابرة)؛ فإن جمعتنا: جمعة (الولاء والحب)، بين الشعب وقيادته..
كنت أستمع لأحد المسؤولين من ولاة أمرنا، وقد جمعنا مجلس كريم بين ثلة علماء قبل ما يسمى بثورة (حنين)، وألفيته ـ بكل ثقة واطمئنان ـ يردّد: “لن تكون هناك أية ثورة، أو أية تجمعات”، همهمت بنفسي واستنكرت هذا التجاهل لما تمور به الساحة السياسية العربية، والأحداث تتوالى من حولنا، ورؤساء الدول يتساقطون بسبب دعوات الشباب هذه للتجمهر. تعجبت جداً من تأكيد هذا المسؤول وجزمه ـ يقينية مطلقة ـ بعدم حصول شيء، واتهمت في نفسي حينها حسّه السياسي، وأنا الإعلامي الذي يعيش في صميم الحراك الفكري، وأقرأ يومياً عشرات الدعوات والمقالات التي تتحدث عن هذه الثورة التي حشد ودعا لها بعض غلاة الطائفية وكارهو وطننا الغالي عبر أقنية الفضائيات الأجيرة، ومواقع فيسبوك وتويتر، وانساق لها بعض شبابنا جهلاً بمرامي الأهداف البعيدة من هكذا دعوات، وانبهاراً بالشعارات التي أعشت أبصارهم، وسلبت لبّ كل الإصلاحيين.
عشت أترقب تلك الجمعة، وإذا بها جمعة مذهلة ذات خصوصية سعودية، ففي ظل ترقب عدسات عشرات المصورين من وكالات الأنباء العالمية الذين توافدوا علينا لتسجيل تلك المظاهرة النادرة، وهم يمنّون أنفسهم بخبطات إعلامية مدوية؛ إذا بها مظاهرة لملايين السعوديين الذين سطروا ملحمة وطنية لافتتها العريضة: الولاء الكامل للقيادة، والثقة المطلقة بولاة الأمر، والانصياع التام لكلمة الشريعة في هذه البلاد، والتلاحم بين كل الأطياف الفكرية في هذا اليوم، وقد اجتمعت كلمتها على الولاء الأبدي للقيادة التي تحكم بهذا الدين. قدّم المجتمع السعودي جمعة من لون خاص بنكهة خاصة لا يعرفها إلا شعب يرفل تحت سماء وطن يعتز به ويرفع رأسه عالياً، سطّر هذا الشعب ملحمة قدمناها للعالم كله في لوحة سعودية بديعة، تأخذ بألباب الأحرار، وتسحر أعين المراقبين، ويغصّ بها أولئك الشانئون والكائدون لوطن التوحيد والرسالة. كانت بيعة شعبية عارمة، تقول بالوفاء والتقدير والثقة المطلقة بولاة الأمر، في وقت رجف فيه البعض من الذين يعيشون خارج بلادنا، وقالوا بأن السعودية مقبلة على ثورات، فجاء جواب الشعب المتدين صريحاً وفصيحاً؛ جعلت العالم يذهل من هذا الولاء، وانصرف الشانئون مدحورين وقد بلعوا حسرتهم وافتضحت شعاراتهم الزور.
كنت حريصاً أن ألتقي المسؤول لأبارك له وأبثه ما تلجلج في نفسي وقتذاك، وما اعتلج في خاطري وأنا أستمع لكلماته، وبادرته: “هل كانت الثقة التي كنت تتحدث بها، نابعة من تقارير أمنية”، صعّد نظره تجاهي بكل تواضع الكبار، وابتسم قائلاً: “أية تقارير أمنية هذه التي تتحدث!، نحن نعرف شعبنا جيداً، ونعرف مدى تعلقه وثقته بحكامه، فعلى مدى تاريخ هذه الدولة، علاقتنا مع شعبنا علاقة أسرية خالصة، هل يقسو الأب على ولده إلا من حبّ!!، وهل يحدب الأخ الأكبر على أخيه الصغير إلا من آصرة ممتدة ووشائج دم!! لسنا ملائكة، وثمة أخطاء، والأخطاء تعالج، ولعلك تسمع قريباً ما يثلج صدرك وصدر كل مواطن”. وفعلاً، أتت جمعة العطاء والتقدير والحب، فأمطرنا والدنا خادم الحرمين الشريفين بهذه الحزم من القرارات التي دخل نفعها بيت كل سعودي، وتحققت رؤية ذلك المسؤول، ومن يتأمل في هذه القرارات ليجد أن معظم المطالب متحققة، فتوزيع الثروة، والحرب على الفساد، وعلاج مشكلة البطالة والسكن، والاهتمام بالوضع الصحي للمواطن، وقبل كل شيء تعزيز مكانة هيئة كبار العلماء، والتثمين الكامل لدورهم في استقرار مجتمع محافظ ومتدين؛ كل هذا تحقق ولله الحمد..
يبقى في هذه الجزئية أن أناشد بإنشاء هيئة أو لجنة عليا تتابع تطبيق هذه القرارات كي لا تتراخى الوزارات ولا يطبق إلا شيء يسير على الواقع، وتذهب على الشعب هذه الفرحة الكبرى التي تؤسس لنهضة جديدة لبلادنا..
سألتني إذاعة (m b c إف إم) عصر تلك الجمعة، عن القرار الذي كنت أتمنى أن يصدر، فأجبت: ليت قضية توسيع المشاركة الشعبية في إدارة دفة المناطق ينظر إليها، فهي ستحقق جملة من الأمور، فمن ناحية، يلقي ولاة الأمر الكرة في ملعب المجتمع، الذي عليه المراقبة والمتابعة لكل فعاليات ومناشط الوزارات، وهو ما سيقلل فرص التلاعب والفساد الذي نشتكي منه، ويكون المجتمع برمته معيناً لهذه الهيئة التي أنشأها الملك لمحاربة الفساد، عبر النقابات التي ستنشأ، وتمثل مؤسسات مجتمع مدني، إضافة الى انخراط الشباب والمهتمين بالإصلاح في هذه العملية، وهو ما يخفف من احتقاناتهم، ولتتحول شعاراتهم إلى تطبيق عملي يفيد الوطن منه، بدلاً من الصياح على الإنترنت.
وأختم ونحن نعيش أجواء الفرح والسعادة، بين ملك يستحق الحب وقيادة تستأهل الولاء الكامل وبين شعب متدين ووفي ومدرك، لا ينصاع إلا للدين وأوامره، وقد كتبنا ملحمة وطن خالدة، قدمناها أنموذجاً خلاقاً لكل أمم البسيطة في تلاحم الحاكم والمحكوم؛ لأهنئ سماحة والدنا الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ مفتي عام المملكة على هذا التقدير لدوره من خادم الحرمين الشريفين ومن سمو الأمير نايف الذي خصه بالشكر في أول تعليق لسموه في ثناء مستحق لدوره في تثبيت المجتمع عبر فتواه الشهيرة في تحريم المظاهرات، والثناء والتثمين من ولاة الأمر لسماحته ليس لشخصه فقط، بل لكل علماء الشريعة ودعاتها في هذه البلاد، فسماحته هو واجهتهم الوضيئة.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.