لنحذر كلنا هذه المسماة "الطائفية"

kolalwatn
2014-03-09T16:18:44+03:00
كتاب وأقلام
kolalwatn22 مارس 2011آخر تحديث : الأحد 9 مارس 2014 - 4:18 مساءً
لنحذر كلنا هذه المسماة "الطائفية"
إبراهيم بن عبد الرحمن الجوف

أولاً:  هل هناك طائفية أو حزبية في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم؟

لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم، الأسوة الحسنة، ولا يحق لأي شخص أن يقول إن عصر الرسول يختلف عن الوقت الحالي، فإذا لم نترسم عصر رسولنا، ماذا تكون مرجعيتنا، ونحن في كل يوم نقول أننا مسلمون، نعم هاهو عهد رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، من يستطيع أن يقول أنه كان هناك مجرد ذكر لطائفية من أي نوع، أو عرقية، أو حزب، أو فئة، أو قبيلة معينة، فقد آخى بين المهاجرين والأنصار في أول عمل إسلامي لنقل سياسي اجتماعي اقتصادي، ثقافي، مكاني، وقد نزل المهاجرون في دور الأنصار، وخير الأنصاري المهاجر أن يختار أجمل نسائه ليطلقها فوراً ويتزوجها المهاجر، لقد تقاسموا لقمة العيش، وآثروا على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، كما هو معروف، في تلك الأريحية التي نقف لها إجلالاًًً واحتراماً وإكباراًً، ثم لا ننسى مقولة المصطفى صلى الله عليه وسلم، لسلمان الفارسي: "سلمان منا أهل البيت" ، ونزل على رغبته وتخطيطه في حفر الخندق، ووثق فيه. ألم يُعالج عمر بن العاص، رضي الله عنه،  من قبل طبيب مناوئ للرسول، لم يُسلم بعد، وفي صف أبي سفيان، ضد الرسول صلى الله عليه وسلم، حينها، لأن مهنة الطب مقدسة ولا علاقة لها بالعداءات الشخصية أو المنازعات. ثم ألم يمتدح الرسول الأعظم حاتم طي مع أنه لم يُسلم وقتها، وأطلق سراح أخته، إكراما له، واستقبل ابن حاتم في بيته. كما امتدح مطعم ابن عدي لشهامته وكرمه المعروف. لم يؤذي عبد الله بن أبي ابن سلول، والذي كان يستعد لتتويجه ملكاً على المدينة المنورة، والرسول صلى الله عليه وسلم في طريقه إليها. ألم يتعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع اليهود، مالياً، وسياسياً، ومكانياً، وحضارياً، وصولاً إلى المناقشات والمناظرات، ويُقر لهم بكتاب سماوي، ويؤمن به، ويصفهم بأهل الكتاب كما جاء في القرآن الكريم، ولم يصفهم بنعوت سيئة أبداً. كما نعت صلى الله عليه وسلم جميع الملوك والرؤساء بالنعوت المعروفين بها في دولهم، ويرسل رسائله مكتوبة ومعنونة على هذا النحو. ألم يقل صلى الله عليه وسلم قولته المشهورة بعد فتح مكة اذهبوا وأنتم الطلقاء، وكان بإمكانه الانتقام منهم ومن ثم القضاء عليهم نهائياً.

ثانياً:  هل يمكننا أن ننفصل من تاريخنا الإسلامي؟

ولو عرجنا على التاريخ فقد ورد أن من أنشأ جامع الأزهر، هم الفاطميون! وأن المذهب في إيران الحالي، عمره لا يزيد عمره عن خمسمائة سنة، وقد جُلب إليهم من لبنان المتعددة الأعراق بما فيها المسيحية كبلد عربي!. وأن الشيخ أحمد ابن حنبل رحمه الله من مواليد العراق، مات ودفن فيها!، وأن مؤسس الكوفة هو سعد ابن أبي وقاص، في خلافة عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما، واتخذها علي بن أبي طالب رضي الله عنه عاصمة له!، وأن المسلمين لجأوا إلى الحبشة مع أن ملكها كان مسيحياً وقتها!، وقد أسلم عمر بن العاص رضي الله عنه على يد النجاشي، وليس على يد الرسول صلى الله عليه وسلم!، في رحلته التي كان ينوي فيها التحريض على المسلمين المهاجرين وإغراء النجاشي بطردهم من بلاده!. العرب في جزيرة العرب قبل الإسلام لم يكونوا يعبدون الأصنام في الفترات التاريخية الأولى، بل كانوا موحدين، على "بقايا" دين سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام، وأن من جلب لهم الوثنية، هو عمر بن لحي، جلبها لهم من ربوع الشام!. ثم أكرمهم الله ببعثة المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، وعانى ما عاناه لهدايتهم، وكان بإمكان رسول الله أن يدعو عليهم بعد أن حاصروه واضطهدوه وناصبوه العداء، كما هو معروف، ولكنه صلى الله عليه وسلم، كان يردد اللهم أهدي قومي.. وعبارات مثل عسى أن يأتي من أصلابهم من يوحد الله أو نحو ذلك!.

ثالثاً: من يؤجج الطائفية؟

ربما كل منا يُؤجج الطائفية دون أن يشعر، أقول ربما، ففي كل مجالسنا لا تجد - إلا ما رحم ربي – من يقول: كلنا مسلمين، ولا فوارق بيننا، ويعتقد، ويعمل بما يعتقده، وهذه خطرها على الجيل الجديد أعمق وأخطر، لأن الجيل القديم، أخذ نصيبه من الحياة، وسواء كان متسامح أو غير متسامح فهو في النهاية سيودع الحياة، ولكن المشكلة الكأداء هي في الجيل الجديد، حيث لو تربى على هذه الكراهية المقيتة، والتفرقة المذهبية والطائفية الكريهة، وفلان كذا وفلان لا تكلموه، وصب النعوت عليه، فإن مستقبلنا سيكون في خطر شديد. فهناك من يوصي أبناءه بعدم الشراء من متجر كذا، لأن صاحبه ليس على ملته وهذا شيء خطير للغاية ولا نستهين بمثل هذه التصرفات، وهم بيننا، واختراعات كثيرة ونعوت، وتزييف حتى في المسميات وتحقير للملة الأخرى، وازدراء، وأحيانا تعطيل مصالح، ويدخل فيها حساسيات كثيرة وعدم ثقة، نرجو أن تزول من تصرفاتنا، لأنها لا تخدم الأوطان العربية، وربما كانت شراً مستطيراً في وقت من الأوقات حمانا الله منها، ولا أرانا أي مكروه، فالحذر كل الحذر أن تصبح ظاهرة تستشري بينا وتهدم أوطاننا، عندها يفرح بنا الأعداء ونصبح لقمة سائغة يتصرفون بنا كيف يشاؤون.

رابعاً:  ماذا نعرف عن حياتنا؟

من منا يعلم متى يولد، وفي أي بلد سيولد، ومن هو أبوه، وما هي قبيلته ومن هي أسرته، وما هو اسمه، وما اسم أبوه، والزمن الذي يولد فيها، وأي مذهب سيولد عليه، وكيف سيعيش، وكيف سيرزق، وكيف يكون مآله في الحياة، وما هي التطورات التي ستنشأ بعد ولادته، سلباً أو إيجاباً، وكيف ستكون علاقاته الأسرية، وأسئلة كثيرة لا حصر لها، تجعل كل من يريد أن يتأمل أن يفكر ملياً في الحال التي هو عليها، إذا أن علينا أن نتذكر أن نعم الله علينا لا تعد ولا تحصى، بل قال تعالى: وإن تعدو نعمة الله لا تحصوها، ورمز لنعمة بدلاً من نعم، لأنه لو قال نعم لأصبحت أو تخيلت أنها ممكنة العد. وما دام الأمر كذلك فعلى كل منا أن يحمد الله على ما آل إليه حاله، ويطلب من الله العافية، ويتلمس الطريق القويم، المطابق للفطرة السوية، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، وإذا كان ولا بُد، واعتبر أن هناك آخرين غيره.. فإن عليه أن يحترمهم، ويقبلهم أيا كانت توجهاتهم الدينية، المذهبية والعقائدية، واضعاً نصب عينيه أنه سيُدفن كل واحد في قبره، ولن يُدفن معه أحد، وسيحاسب عن أعماله وحده، ويثاب عليها إن خيراًً ويعاقب عليها إن كانت  شراًً، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، فمن المؤكد أن من فاته من حطام الدنيا الشيء الكثير، لن يفوته أي شىء من خير الآخرة العميم، إذا كان مؤمناً حقاً.

خامساً: إلى متى نستمر في البلاد العربية والإسلامية على هذا الحال؟

هذا مذهبة كذا وذاك مذهبه كذا، والأمم الأخرى غرباً وشرقاً، بفسيفسائها المذهبية والعرقية والدينية والثقافية، والفكرية، والاجتماعية، في البلد الواحد، وعينيات كثيرة أمامنا واضحة وماثلة للعيان، نراها تتقدم وتحكم العالم، اقتصادياً وثقافياً ومعرفيا وتقانياً.. ونحن نتأخر. ويمكن للمراقب أن يرى أنه عندما تستشري الطائفية والتحاسد والتباغض والفرقة والدسائس، وغيرها من الأمراض الاجتماعية، كحب الذات، ومحاولة إلغاء الآخر،  في أي بلد، فلا تقوم لهم قائمة، ولا يوجد بها منتصر بل الكل خاسر لا محالة. وهاهي العراق لم تستفد شيئاً من كل ما حدث، على مستوى الفرد، فالخدمات الضرورية متدنية، وكل الناس، خاصة الطبقة المتوسطة والفقيرة، تشكو الفاقة، وقبلها لبنان، تتعثر التنمية فيها، وهاهي الصومال أكبر شاهد على الفرقة والتشرذم، وحتى الكويت، مع غياب الانسجام التام، تعرقل جلسات مجلس الأمة - على أهميتها في مكافحة الفساد - قسم كبير من التنمية كما يقرر بعض المتابعين للشأن الكويتي هناك، مما يجعل الحكومة في حيرة في بعض الحالات.

سادساً:  هل لنا بُد مِن مَن يختلف عنا في الملة أو في الدين؟

على كل منا أن يتذكر أن الدين الإسلامي الحنيف قد أباح لنا طعام أهل الكتاب والزواج منهم، والتعلم منهم ومخالطتهم ومجالستهم، ونفخر بحصولنا وأبنائنا على شهادات موقعة منهم، وحتى أن البعض يتمنى أن يهاجر إليهم،  إلى غير ذلك.. فمن باب أولى أن يكون جاري، وفي بلدي، الذي يحمل نفس الجنسية التي أحملها في جيبي مثل أخي تماماً مهما كانت ملته، أو عقيدته، أو فكرته عن الحياة.. إلخ. ولكن لنفرض أن مآخاتي له وحبي له واحترامه،  لم يكن من أجل احترام ملته أو غيرها - وهذا  مستهجن ومرفوض نهائياً - فليكن على الأقل، من أجل الحرص على " اللحمة الوطنية " ، والتشديد عليها. والتفاني والحرص من أجل وحدة الأوطان، والحرص على سلامتها وتقدمها والمحافظة على انجازاتها ومكتسباتها.. إلخ ثم حمداُ لله على سلامة سيدي خادم الحرمين، وشكرا لهباته التي أثلجت صدر شعبه الوفي.


* باحث في الدكتوراه  [email protected]

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.