تسجيل الدخول

السيرة الشعبية للإمام علي بن أبي طالب 3

2011-04-06T05:30:00+03:00
2014-03-09T16:19:36+03:00
تقارير
kolalwatn6 أبريل 2011آخر تحديث : منذ 9 سنوات
السيرة الشعبية للإمام علي بن أبي طالب 3
يقدمها ويحققها: علاء عريبى *

ــ رعاة الغنم في اليمن يستهزئون بالإمام ويضحكون على كلامه

ــ أمه سمته “زيد” وأبوه سماه “حيدر” والله عز وجل أختار له اسم “على”

ــ إله الملك المغضب يحذر من محاربة على بن أبى طالب ويقول: إنه وحش الفلاة

ــ الإمام على يطير في الهواء ويعبر نهر عرضه عشرين ذراعا

ـ قالوا عنه: إذا وثب جاوز الفرس بالوثبة ويخلع الرأس من الرقبة

ـ ابن أبى طالب يرفع حصانا بفارسه فى الهواء ويلقيه على آخر فيدق عنقه

ـــ صاح فى المغضب: أنا مبدي العجائب، أنا مظهر الغرائب، أنا البحر الساكب، أنا علي بن أبي طالب

ــ الأمام على يواجه 4 ألاف فارس بمفرده ويهزمهم ويدخل ألف منهم إلى الإسلام

ـ الفرسان تستغيث: الأمان الأمان يا ابن أبي طالب ابق علينا وأحسن بكرمك إلينا

ـ حكاية السبعمائة رجل الذين قالوا بعد هزيمتهم: القتل أحب إلينا من دخول السلام

في الحلقتين السابقتين استهل الراوي سيرة الإمام على بذهاب عرفطة الجني المسلم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يستغيث من الهضام بن الحجاف ملك الجان، أكد أن الهضام يعبد الأصنام ويجبر العفاريت والجان على عبادتها، وذكر انه صنع من حفرة كبيرة نارا لتعذيب العصاة وأخرى جنة لإثابة من يطيعونه، وأشار  الراوي إلى أن الجني المسلم أكد للرسول عدم قدرة أحد من البشر على محاربة ملك الجان الكافر، وان الوحيد الذي يمتلك هذه القدرة هو الإمام على بن أبى طالب، وقد نزل جبريل عليه السلام حسب السيرة وأبلغ الرسول اختيار الله عز وجل الإمام على لمحاربة ملك الجان الكافر، وقد خرج الإمام على بمفرده لتنفيذ هذه المهمة، واقتفى أثره  في الحلقة السابقة أحد المنافقين بهدف قتله، ويدعى ورقة بن خضيب(شخصية خيالية)، وهذا الجزء من الرحلة كان أشبه برحلة سيدنا الخضر والنبي موسى عليهما السلام التي ذكرت في القرآن الكريم، حيث كان الخضر يقوم بأعمال منافية للأخلاق وللدين ، وكان موسى يعترض والخضر يؤكد له انه لن يستطع الصبر ويطالبه بالعودة، ويعتذر موسى ويستمر، وبعد الحادثة الثالثة يشرح له الخضر سبب خرقه للسفينة والدافع وراء قتل الصبي، ولماذا هدم سور البيت، ويتضح أن جميع هذه الإعمال كانت لحكمة إلهية، مؤلفو السيرة فعلوا نفس الشيء مع الإمام على، ففي الطريق إلى وادي القمر قام الإمام بقتل أحد الأشخاص كان يقدم مياه ومائدة مسمومة للمارة، يأكلون ويموتون ويسرق هو متاعهم وأموالهم، كما قام بقتل شيخ وحسناء وأشعل النار في مسجد، واتضح أن الحسناء كانت زوجة الشيخ يقدمها متعه للمارة مقابل مبلغ مالي، وفى حالة رفضهم انتظر نومهم واستولى على أموالهم، وكان ورقة المنافق يشاهد هذه الوقائع ولا يفسر له الإمام لماذا فعلها، في الواقعة الثالثة صادفا بالطريق عبدا أسود يدعوهما للمبيت، ما أن دخلا البيت حتى خرج عليهما سبعان، يتصدى لها الإمام على  ويقتلهما، بعدها يقتل المنافق الذى كشف عن هويته ونواياه للعبد، حيث طلب من العبد مشاركته في قتل الإمام على وتسليم رأسه لملك الجان، وبعد قتل الإمام لورقه يعلن العبد إسلامه ويطلب من الإمام مصاحبته، يرفض الإمام ويرسله إلى الرسول عليه الصلاة والسلام لكي يجدد إسلامه، ويستكمل الإمام رحلته ويصل إلى وادي الظل في بلاد اليمن، وهو أول الأودية السبعة التي بعد اجتيازها يصل لملك العفاريت، في وادي الظل التقى مع بعض الرعاة ودار بينهم حوارا عن بلاده وهويته، حدثهم عن الإسلام والمسلمين وعن الله الواحد القهار، وفى حلقة اليوم نستكمل مع الراوي الحوار الذي دار بين الإمام على وبين رعاة الأغنام في وادي النخيل ، حيث كان الحوار قد وصل بينهما إلى طريق مسدود.

(قال الراوي) فاعرض الأعيان عنه لأنهم لم يفهموا كلامه، وقالوا له: إن كلامك تخليطا وفي لسانك تفريطا، إن كلامنا لك ضايع فاعرضوا عنه ورجعوا إلى لعبهم ولهوهم، وأقام الإمام رضي الله عنه مكانه إلى أن وجب العصر فصلاه وإذا بالرعيان(تجمع أيضا: رعاة، ومفردها: راعى) تصارخوا وتصايحوا، فقال لهم الإمام: معاشر القوم ما صراخكم؟، فقالوا: ننظر إلى قطيع الظبا(الظبي: اسم الذكر، والجمع: أظبٍ، وظباء، وظُبيًّ، والأنثى ظبْية) منحدرا من الجبل، فلما نظر الإمام إلى داره ووثب قائما على قدميه ثم نزع اطماره(ملابسه البالية، ومفردها: طمر) وسلاحه، وقال لهم: دونكم وحفظ أثوابي وسلاحي، فقالوا: وأين تريد؟، فقال: أريد هذه الظباء لعلي أنال ظبيا، فلم يبق أحدا منهم إلا وقد ضحك من قوله واستهزأ عليه، ثم قال بعضهم لبعض: ألم أقل لكم أن الرجل هائم على وجهه مخبوط في عقله، ثم تركهم الإمام ومضى وهم ينظرون إليه ويظنون انه لا يبرح من مكانه لعظم خلقته وكبر بطنه، ثم أن الإمام قام حتى توارى عن أعين الرعاة، وقد قطع الشعاب وهو يشب من ربوة إلى ربوة ومن شجرة إلى شجرة، ثم أدركها وهي في شدة جريها فقبض على اثنين منها واحدة بيمينه وأخرى بيساره، وأقبل كأنه الريح الهبوب والظباء في يديه، فلما رأى الدعاة الظباء في يديه كبر الإمام في أعينهم، ولم يزل الإمام سايرا حتى أتى سلبه( ملابسه)واستخرج سكينا وذبحهما وسلخهما وأجاد غسلهما، ثم حفر حفرة والتفت يمينا وشمالا يطلب حطبا فلم يجد شيئا من ذلك الحطب، ورمى في الحفرة حتى ملاها، ثم قدح زناد وخرج نارا أضرمها في ذلك الحطب فتأججت وصار جمرا فكشف الجمر عن الحصى، وأخذ الظبيين ورماهما في الحفرة وردم عليهما النار من فوقهما.

أمه سمته زيدا

هذا والرعاة ينظرون إليه ويتعجبون من فعله، وهابوا أن يتقدموا إليه وامسكوا عن سؤاله، فلما فرغ الإمام مما أراد غسل يديه ولبس ثيابه، وقعد ينظر غروب الشمس لأنه كان صائما، فقال الرعاة: يا فتى نحن ضيوفك الليلة لتطعمنا مما اقتنصت من الظبا، فقال الإمام: إنما يضاف من يكون قاطنا بالديار، فقالوا له: سألناك بإلهك الذي تعبد ألا ما عرفنا باسمك الذي تعرف به لأننا رأينا منك ما لم نره من أحد من غيرك، فقال لهم: اسمي زيد، وكانت أمه سمته زيدا، وسماه أبوه حيدر، وسماه النبي عليا لما أمره الله أن يسميه بذلك الاسم الحسن(في التوراة إله بني إسرائيل هو الذي يسمى الأنبياء عند ولادتهم)، فقالوا له: يا فتى لقد أعطاك الله من الشجاعة ما لم يعطيه لأحد، وبقي القوم يتحدثون، فبينما هم كذلك إذ وقعت صيحة من الوادي وتتابع الصياح، فجعلت الرعاة تمرد أغنامها يرومون(يطلبون) أن يجمعوها، وأسرع بعضهم إلى بعض إلى أهل الحصن والإمام ينظر إليهم، وإذا بخيول مسرعة فظن الإمام أن أهل الحصن فرحوا له، فلم يكن من أمره إلا انه شد منطقه(حزامه) وقبض على جحفته(بقايا الماء) فأقبلت الخيل أفواجا في الوادي، وكانت أربعة ألاف، حمية لأصحابهم أن يطرقهم طارق، وفرت جميع الرعاة في جميع خبايا الوادي يبكون ويتصارخون، فقال الإمام: تبكون وليس لكم مال ولا نوال(نصيب)، وإنما المال لغيركم وأنتم مستأجرون، فقالوا له: يا فتى إنما نبكي على أنفسنا، لأن سيدنا الأعظم الهضام إذا أخذ له مال رجع بالقيمة علينا، يقول: أنتم علمتم مالي لأعدائي، فلم يرض بالقتل بل يحرقنا بناره، وفعل ذلك بمن كان قبلنا من الرعاة، وقد رأيت ما دهمنا كثرة الخيل، فقالوا: ولو كان مليكنا الهضام وإلهه المنيع لما وصلوا إليهم هؤلاء الأقوام، ولم يخلصوا الغنائم من أيديهم، لأنهم قد عرفوا بالبلية وصاحبهم قد يتم العرب، ولا تقتصر يده إلا عن بلدة واحدة، فقال الإمام: ما هذا البلد التي لا يضرب إليها؟، فقالوا له: مدينة يثرب مسكن عبد الله، بها فارس لا كالفرسان ويقال عنه: أنه مفرق الكتائب وهازم الجيوش ومفرق المواكب، الحسام(السيف) الغاضب، والليث الغالب، والبحر الساكب، ليث بني غالب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

الملك المغضب

(قال الراوي) فلما سمع الإمام هذا الكلام تبسم ضاحكا وقال: أيها الراعي ما اسم هذا الرجل؟، وما الذي يعبد؟، وأين مسكنه؟، فقد حدثتني بعجيب، فقال: يعرف بالمغضب، وأما معبوده فانه صنعه من الجزع اليماني، وكانت العرب تأتي إليه وإلى صنمه ليخبرهم بجميع ما يسألونه عنه، فلما كان يوم من الأيام والناس محدقون به ويسألونه، وقد شكوا إلى ملكهم المغضب من علي بن أبي طالب لما فعل بسادات العرب من القتل، فقال لهم: يا قومي تأخروا عني لأتقدم إلى إلهي العظيم، وأشاوره لكم في هذا الغلام وفي المسير إليه، فتأخروا عنه، (قال الراوي) فعند ذلك تقدم الملك المغضب إلى إلهه وهو معتمد فيه(متوكل عليه)، واستشاره في حرب علي بن أبي طالب، وقال: إلهي قد سمعت ما ذكرته العرب من خبر هذا الغلام وشجاعته وشكوا من فعالك، وقد شكونا إلى وإليك، فهل لك أن تشير لنا أن نسير إليه ونقاتله وأنت أخبر منا بذلك؟، فمهما أمرتنا به امتثلناه، (قال الراوي) فلما فرغ من كلامه دخل الشيطان في جوف الصنم، ونهى المغضب عن ذلك، وهو يظن(الملك المغضب) أن الكلام من الصنم، ثم تململ وارتجز وانشد يقول:

دع ما قصدت من ارتكاب مهالك          ومكاره مقرونة ببلاء

 لا تطلبن لقاء علي انه                 وحش الفلاة كذا لسفك دماء

(قال الراوي) فلما سمع المغضب والعرب كلام الصنم حزنوا من كلامه فخاف الملك، وخاف العرب ورجعوا عن عبادته وقالوا: إلهك يذل ولا ينصر، فهو(الصنم) أولى بأن يدك ويحرق فتفرقوا عنه، فعند ذلك تسامعت العرب والقبائل بملكنا الهضام وصنمه “المنيع” الرفيع، وقيامه على طول الأيام معلقا في الهواء، فعطفت(مالت واتجهت) العرب جميعهم إليه، ورأوا منه معجزات وكلمهم بالدليل ووعدهم بهلاك علي بن أبي طالب، وأن يكفيهم مؤنته(الجهد والبذل البدني والعقلي).

حروب الهضام والمغضب

 فانصرفت(اتجهت) وجوههم إليه وأقبلوا بجمعهم عليه، فعظم ذلك على المغضب واستنجد بالعربان وبذل لهم الأموال، فجرى بينه وبين صاحبنا الهضام حربا شديدا ما شهدت العربان مثله، وأقاموا مدة من الشهور يقتلون حتى فني أكثر الجماعات، وافترقوا على ما هم عليه من العداوة والبغضاء، وبقي كل واحد منهم يغير على صاحبه كما ترى، وكانت العربان سعت بينهم بالصلح على أنهم يجتمعون جميعا ويسيرون إلى علي بن أبي طالب ولم يكن قد انفصل بينهم أمر، فتبسم الإمام علي ضاحكا من قوله، ثم اطرق برأسه إلى الأرض ساعة وهو متفكر في أمر الحصون التي بينه وبين عدو الله الهضام، فاجمع أمره على ملاقات المغضب وقومه، واقبل على الراعي المخاطب له وقال: إلى أين هؤلاء القوم سائرون، فقال له: يا فتى، أما هو فبيننا وبينه فرسخين في مضيق بين جبلين، يجمعون السابقة إلى المضيق ثم يقع البيع والشراء فيها ليأخذ كل واحد ما يخصه وينصرف إلى محل سبيله، أو يقصد كل واحد منهم مكانه ومحل نومه، فقال الإمام: يا ويلكم فما منع صاحب هذا الحصن عن لحاقهم، فقالوا له: يا فتى تجلى إلهنا بالبركة أن في كل حصن ألف رجل، ولو اجتمع كل من في الحصون لكان هو كفئا للجميع.

يعبر النهر طائرا

فلما سمع الإمام ذلك الراعي المخاطب له أخذ سيفه ودرقته(ترسه)، وحزم وسطه بمنطقته(حزامه)، ثم أتى إلى جانب النهر، وثبت عزمه ووثب فارتفع في الهواء ارتفاعا عاليا، فعبر بتلك الوثبة إلى جانب النهر الآخر، وكان عرض ذلك النهر أكثر من عشرين ذراعا، ففزع الرعاة بما عاينوه وذهلت عقولهم خوفا من الإمام، فقال لهم: مهلا يا قوم لن ينالكم مني إلا خير إن شاء الله تعالى، فان غبت عنكم حتى جن الليل فاخرجوا ما في الحفيرة وكلوه فأنتم أحق به من النار، فقالوا: إلى أين تريد؟، فقال لهم: أريد أن الحق القوم فعسى أن أنال منهم خيرا، فظن الرعاة انه يطلب منهم رفدا(إعانة) أو معاونة،  فقالوا له: يا فتى ان وقعت عينهم عليك لم يسمعوا كلامك دون أن يسفكوا دمك وهم أربعة ألاف فارس، وملكهم المغضب أعظم من الجميع وأكثرهم أذية، ومع ذلك أن وهبوك شيئا أخذ منك فلا تعرض نفسك للهلاك، فقال لهم الإمام: لا صبر لي عن القوم لابد من اللحاق بهم، فلم يكن غير قليل حتى لحق بالقوم ونظر الخيل والأسنة تلمع، فقصر الإمام في مشيه حتى دخل القوم في المضيق والسابقة معهم، وليس لذلك المضيق منفذ غير هذا الذي دخلوا منه بأجمعهم، أتى الإمام إلى فم المضيق وجلس تحت درقته حائما من وراء صخرة، قابضا بيده على سيفه وهو يسمع حديث القوم في بيعهم وشرائهم وقد غابت الشمس فصلى الإمام المغرب في مكانه، وقال: اللهم ارزقني من عندك فطرا حلالا طيبا.

بداية المعركة

 ولم يزل القوم كذلك إلى أن دخل الليل وطلع القمر وامتلأت الأرض بنوره، فبينما هو كذلك إذ سمع بعار غنم ورغاء(صوت) ابل، فإذا هو بشويهات( تصغير وجمع شاة:الضأن والماعز والظباء والبقر والنعام وحمر والحش) وفرسين ومطيتين(ما يمتطى من الدواب، كالبعير والناقة، تجمع: مطايا ومطي)، سرج وفارس معتقل برمحه ولامته، فقال الإمام: يوشك أن هذا قسم هذا الفارس، فكن الإمام إلى أن خرج الفارس وما معه من فم المضيق، فلما قرب الإمام لم يمهل عليه وضربه فوقع على الأرض قطعتين، فاخذ الإمام جميع ما معه وتركه ورجع إلى مكانه، فلم يكن إلا هنيهات وقد أقبل آخر على مثل وهو ينادي بصاحبه المعين: قف حتى أجمع سهمي بسهمك ونسير جميعا، فلم يرد عليه، فما استتم كلامه إلا وقد وافاه الإمام ولوي شماله إلى يمينه وقبض عليه ودق عنقه في الأرض، وضم الجواد إلى الجواد والماشية، وجر الرجل الأول من الطريق إلى خارج المضيق وجر صاحبه إليه، ورجع إلى مكانه فلم يستقر فإذا هو بصهيل خيل ورعاة ابل وبعار غنم وثلاثة فوارس من وراء تلك الأغنام والإبل والخيل، فتفكر الإمام فيما يحتال به عليهم ساعة حتى خرجوا من المضيق، فأسف الإمام من خروجهم وخاف أن ينبههم قبل أن يفرغ منهم، فتقدم الإمام إلى احدهم وضربه بالسيف على مراق بطنه(المرق: ما رق من الشيء، تجمع مراق، ومراق البطن: ما رق منه ولان في أسفله) فسقط إلى الأرض نصفين، فالتفت إليه صاحباه، فوثب الإمام عند التفاتهما وضرب احدهما فجندله(صرعه)، وأراد الثالث فسبقه إلى داخل المضيق وهو صارخ مستغيث بأصحابه ويقول: أدركوني فقد هلك أصحابكم وهلكتم جميعا فاطلبوا لأنفسكم الخلاص، فقالوا باجمعهم: يا ويلك ما الذي دهاك، فقال يا قوم: انه بباب المضيق موت نازل وهو لكل من خرج منكم قاتل، فصاح به المغضب وقال: يا ويلك، وسأله عن حاله، فاخبره بما رأى وعاين من أمير المؤمنين، فقال له (الفارس): أيها السيد(المغضب) رأيت من شجات مزعجات لا تكون لبشر قط، ولكنه سماوي الفعال، فصاح به اللعين وقال: لعل أن يكون معه جيش كثير، فقال: يا مولاي ما معه غيره وهو أسعى على إقدامه، إذا وثب جاوز الفرس بالوثبة ويخلع الرأس من الرقبة، فصاح به المغضب وقال: لا أم لك، لعله يكون من بعض عمار(الجن) هذا المكان، ثم التفت إلى رجلين من قومه عرفوا بالشدة والقوة والمراس، فقال لهما المغضب: انظرا إلى ما يقول الجبان.

من أنت؟

 فنهضا على أقدامهما وركبا خيولهما وسلا سيوفهما إلى أن قرب من باب المضيق فصرخا: من الطارق لنا في هذا الليل الغاسق؟، من المعترض لنا فى سطوتنا؟، فإن كنت من الجن فنحن من مردة الجن، وان كنت من الأنس فنحن من عتاة الإنس، فمن أنت؟، يا ويلك انطلق قبل أن نرميك بالعطب ونحللك بالويل والغضب، هذا والإمام ساكت لم يرد عليهما جوابا وهما على وجل، والإمام قد لصق بالأرض إلى إن وصلا إليه وحاذياه بفرسيهما، فوثب إليهما كالأسد وقبض بيده على جواد الأول ورفعه من الأرض ثم حذف(رمى) به الجواد الثاني، فوقعت الصدمة على  رجلين من الفرسين، فاندق الفرس الثاني واندق صاحبه، وسقط الأول على أم رأسه فأنشج شجة عظيمة من حيث خرج من المضيق صارخا مستغيثا بقومه، فبادروا إليه وقالوا له: ما ورائك؟، قال: ورائي البحر المغرق والموت المفرق، فقالوا: صف لنا ما رأيت؟، قال: فإني رأيت ما لا يقدر القارئ على وصفه، فقالوا: ما هو لا أم لك؟، فقال: هل رأيتم رجلا يحمل فرسا براكبه؟، قالوا: لا، قال: هذا الرجل حمل فرسا براكبه ثم صدم به الأخر فدق الفرس وراكبه، فلما سمع القوم ذلك ذهلوا وحاروا، وقالوا: كيف يكون ذلك؟، وكيف يتفق أن رجلا يفعل هذا الفعل؟، فقال: هاهو بباب المضيق فمن أراد أن يعلم الأمر بالتحقيق فهذا بباب المضيق فينظر إلى ما نظرته من التصديق، فلما فرغ من قوله حتى وثب المغضب بنفسه وصاح عليه وضربه بسيفه فقتله، وقال له: قبحتك اللات والعزى، تبا بك ولمن ذكرت، أمن الرجال هذا من لا يخاف سطوتي؟، ثم قال: احتفظوا على أنفسكم حتى أعود إليكم، فقال له قومه: أيها الملك معك أربعة ألاف فارس من صناديد العرب والسادات، وتتقدم أنت بنفسك دونهم ونحن نعلم ان فيك الكفاءة لأهل الأرض في الطول والعرض ولكن نخشى عليك أن يكون هذا من عمار الجان أو من الجن الأشرار فنخاف عليك من طوارقهم، فقال لهم: بحق اللاتي والعزى لابد لي من الدنو إليه، فإن كان من الإنس قتلته، وان كان من الجن أبدته، ثم انه حزم وسطه وجرد سيفه، وكان عدو الله عظيم الخلقة كبير الجثة شديد الهمة، فتوجه إلى الإمام وهو يبربر كالأسد وينشد ويقول:

 أيها الطارق في ليل غسق                  وفاتكا فينا بسر قد سبق

 إني أنا المغضب واسمي قد سبق         اقطع الهامات في يوم الفرق

مصرع الملك المغضب

(قال الراوي) فلما سمع الإمام قول المغضب علم انه كبير القوم ورئيسهم فقال: هذا والله بغيتي ومرادي اللهم سهل ساعته، قال: واقبل عدو الله منفردا بنفسه حتى وصل إلى المضيق، فنظر إلي القتلى وهم مجندلون فتحقق الأمر وارتعدت أوصاله وقال: وحق اللاتي والعزى لقد صدق صاحبنا فيما قال وإنما ظلمناه بقتلنا إياه، ثم انه وقف بباب المضيق وهو ذاهل العقل، وقد سمعه الإمام رضي الله عنه تعالى عنه وهو يقول: وحق اللاتي والعزى ما فعل هذه الفعال أحد الأمم السابقة، ولا قوم عاد وثمود، ولا يقدر على ذلك إلا الغلام الذي يقال له علي بن أبي طالب، فلما سمع الإمام مقالته تقدم إليه وهو على مهل فلما دنا منه ووصل إليه، نظره عدو الله فتحير، فبينما هو كذلك إذ وثب إليه الإمام وهجم عليه ولوح بحسامه(سيفه) وقال: ويل لك ولآبائك وأجدادك أبا المنعوت بهذه الفعال، أنا مبدي العجائب، أنا مظهر الغرائب، أنا البحر الساكب، أنا علي بن أبي طالب (قال الراوي) فلما سمع عدو الله ما قاله الإمام علم انه هو لا محالة، فارتعدت فرائصه وأيقن بالهلاك، فصرخ بأعلى صوته وقال: يا قوم أدركوني قبل أن اهلك فتهلكوا جميعا، فلما سمع القوم صراخه أجابوه، فلما نظر الإمام سرعه القوم هجم على عدو الله وقد امسك جوارحه فلم يستطع فوافاه الإمام بضربة هاشمية علوية على صدره فمسحت صدره وذراعيه، فسقط عدو الله إلى الأرض قطعتين، وقالوا: وحق اللاتي والعزى

 مالنا بقتال الجن من طاقة، فقال رجل منهم اسكتوا حتى أخاطبه فان كلمني عرفته ايش يكون إن كان انسيا أو جنيا؟، ثم تقدم إلى ناحية فم المضيق وقال: أيها الشخص المريد اخبرنا بما تريد؟، (قال الراوي) فلما سمع الإمام علي رضي الله تعالى عنه ذلك أجابهم وقال: أريد منكم كلمة النجاح والفوز والصلاح، وهي أن تقولوا معي بأجمعكم: لا اله إلا الله محمد رسول الله، فلما سمع القوم ذلك قالوا: وحق اللاتي والعزى ما هذا إلا جني، وقال بعضهم ما هذا إلا بشر مثلكم آدمي، وما نرى من الرأي إلا أن نكون في مكاننا حتى يصبح الصباح فينكشف لنا هذا الأمر، فلما اجتمع رأيهم على ذلك تأخروا إلى ورائهم في داخل المضيق، فلما رأى الإمام رضي الله عنه تأخرهم وما عزموا عليه، تقدم إلى عدو الله وجز رأسه، ثم قام فذبح كبشا من الغنم التي آخذها أولا وسلخه وأضرم نار وشواه وأكل حتى اكتفى وحمد الله، وقام بين يدي الله تعالى راكعا وساجدا حتى طلع الفجر فصلى صلاة الصبح ثم تحزم وأخذ سيفه وحجفيه ونزل إلى فم الوادي، فلما طلعت الشمس نظر إليه القوم بأعينهم وهو في فم المضيق يرمق إليهم كالذئب إذا عاين قطيع غنم، فقال بعضهم: وحق اللاتي والعزى، ما هو جني ولو كان جنيا لغاب عند انتشار الصباح، وما هو إلا منفرد بنفسه يريد أن يقتلنا ونحن أربعة ألاف فارس، والصواب أن نتقدم إليه عشرة عشرة (قال الراوي) فتقدم للإمام عشرة من فرسانهم فلما وصلوا إليه حملوا عليه فقتل منهم سبعة وبقي ثلاثة فولوا منهزمين، فقال لهم جنادة ابن عامر(شاعر جاهلي من شعراء هذيل) وكان قد تقدم عليهم بعد المغضب: انطلقوا إليه عشرين عشرين، فأتوا عليه وافترق عليه العشرون، فلم تكن إلا ساعة حتى قتل منهم سبعة عشر وهزم الباقون، فجعل الإمام كلما قتل منهم رجلا يجره برجله حتى يخرجه من المضيق ليتسع له المكان، وقد تزايد صيانة(حماية) القوم وشاوروا بعضهم بعضا فاجمعوا على أن يحمل عليه مائة فارس، فحملوا باجمعهم كحملة رجل واحد ومقدمهم جنادة ابن عامر، فصاح على الإمام: ألا أخبرنا وما الذي تريد؟، فقال لهم: أصم أنتم لا تسمعون يا ويلكم أم عمي لا تبصرون؟، ألم أقل لكم إني عبد الله وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا مفرق الكتائب، أنا ليث بني غالب، أنا علي بن أبي طالب.

جنادة بن عامر

 (قال الراوي) فلما سمع القوم بذكره خافوا ورجفت قلوبهم، وقالوا يا فتى: عجبنا من أن تكون هذه الفعال لغيرك والآن فأنت صاحب هذه العجائب، فأعلمنا بما تريد ونحن معك على ما أنت عليه، فقال لهم: أريد منكم أن تقولوا باجمعكم: لا اله إلا الله محمد رسول الله، وأنا انصرف عنكم راضيا وفي الآخرة مستشفعا ولمن عاداكم معاديا، قال: فنظر بعضهم لبعض وهموا بالإسلام ولكن خشوا جنادة بن عامر المقدم عليهم، فقال جنادة: الذي ذكرته دونه بعيد ودونه ضرب شديد فلا نكون لك طائعين وإنما نحن لك متقدمون، ثم تقدم إليه جنادة وقال لعبده: كن معي معينا على كتافه، جردا أسيافها وحملا على الإمام رضي الله عنه، فلما قربا منه رفع الإمام درقته(ترسه) وصدم بها صدر جنادة فادهشته الصدمة، ثم قبض على سراويله ومراق بطنه ورفعه في الهواء، والتفت إلى العبد وقد ولى هاربا فأخذ سيفه وقصده وقال: إلى أين يا ابن السوداء؟، فأزعجه ثم بادره فضربه على رأسه فسقط على الأرض قطعتين.

إسلام ألف رجل

(قال الراوي) فلما نظر القوم إلى ذلك تأخروا إلى ورائهم وقالوا لبعضهم نحن نطاوله(نماطله) إلى أن يضجر وليس معه ماء ولا زاد، فإذا انصرف عنا مضينا إلى حال سبيلنا، فسمعهم الإمام وعرف ما قد عزموا عليه فقال لهم: يا ويلكم إن كنتم أملتم مطاولتي حتى انصرف عنكم، فذاك أمل بعيد، وعشاي أغنام تقوم بي(تكفينى) أياما كثيرة، ولم يقطع الله رزقي ما دمت حيا وان فرغت هذه الأغنام يرسل الله إلي الطير فارميه بالنبال فأكل لحمه واستنشق بالريح فيغنيني عن الماء، وأنا اظهر لكم بيان ذلك، فأخذ نبله ووضعها في قوس ورمى بها طيرا طائرا فوقع إلى الأرض طريحا، فأخذه وذبحه وأزال ريشه وشواه وأكله، فلما رأوا منه ذلك تيقنوا أن لا طاقة لهم به فالقوا أسلحتهم أجمعين واستسلموا إلى أمير المؤمنين، ونادوا بأجمعهم: الأمان الأمان، يا ابن أبي طالب ابق علينا وأحسن بكرمك إلينا، فقال لهم: إن كنتم صدقتم في قولكم، فليكتف بعضكم بعضا حتى انظر حقيقة أمركم، قال: فأقبل القوم يكتف بعضهم بعضا حتى أوثقوا أنفسهم جميعا (قال الراوي) فعند ذلك تقدم الإمام رضي الله عنه وقال لهم: لكم واحدة من اثنين إما أن تقولوا لا اله إلا الله محمد رسول الله، وأما أن تموتون فاسلم مع الإمام من القوم ألف رجل، وأبو عن الإسلام سبعمائة رجل وقالوا القتل أحب إلينا، فقال الذين اسلموا: نحن نشهد أن لا الله إلا الله وان محمدا رسول الله، وقالوا له: يا إمام لولا أن إلهك إله عظيم قدير لما فعلت ذلك بنا، وأما الآن فقد رضيناه إلهنا. فقال لهم الإمام: لا يصلح إسلامكم عندي حتى تضعوا السيف في أصحابكم الذين أبوا عن الإسلام، فوضعوا السيف فيهم إلى أن قتلوهم عن أخرهم، فجمع الإمام الأموال على بعضها وحازها، وأقبل عليه القوم الذين اسلموا معه وقالوا له: يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، اجعلنا معك نعينك على أعدائك، فقال لهم الإمام: دعوني في شغلي وسيروا إلى منازلكم أدعو من بقي منكم إلى الإسلام، فقالوا له: سمعا وطاعة ولو أمرتنا أن نطلب الهضام لما يكبر علينا في رضاء الله ورسوله ورضاك، فقال لهم الإمام رضي الله تعالى عنه: أنا له طالب وسترون من نصر الله ما يسركم، فقالوا له: يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه، وهذه الغنائم ما تصنع بها؟، فقال: إني سائر بها إلى ما شاء الله يفعل فيها، فقالوا له: افعل ما تريد فما منا من معترض لك فيها، فقال الإمام رضي الله عنه: أريد منكم خمس رجال يساعدوني على سوقها، فما استتم كلامه حتى برز له خمسة رجال من شجعانهم، وقالوا: يابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحن غلمانك وخدامك، ومهما أمرتنا به امتثلناه، وتقدموا إلى تلك الغنائم فساقوها بين يدي الإمام رضي الله تعالى عنه، وهو سائر مسرور بما فتح الله على يديه ولم يزالوا سائرين إلى أن دخلوا وادي الظل.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.