تسجيل الدخول

السيرة الشعبية للإمام على بن أبى طالب 4

2011-04-14T08:25:00+03:00
2014-03-09T16:20:12+03:00
تقارير
kolalwatn14 أبريل 2011آخر تحديث : منذ 9 سنوات
السيرة الشعبية للإمام على بن أبى طالب 4
يقدمها ويحققها: علاء عريبى *

ــ الإمام يصل وادي الظل وهو يحمل رأس الملك المغضب في يده

ــ رعاة الأغنام يشهرون إسلامهم ويحذرون الإمام من الملك الهضام

ــ الملك المنتقم يقود فرسانه لقتل الأمام على بن أبى طالب والتمثيل بجثته

ــــ أتباع ابن أبى طالب يقتلون الشيوخ ويعلقون الحصن خلف الملك

ــ عبيد الملك يقيدون النساء ويستولون على السلاح ويحرسون الأبواب

ـ الإمام على يطيح برؤوس أشجع فرسان الملك المنتقم

ـ المنتقم يستغيث ويطالب الإمام بعدم قتله ومنحه فرصه لعرض الإسلام على جنوده

ـ على بن أبى طالب يعبر النهر طائرا ويسبق المنتقم وفرسانه إلى الحصن

في الحلقة السابقة اقتفى الإمام على أثر الملك المغضب وهو يقود أربعة ألاف فارس، بعد أن أغاروا على الرعاة وسلبوا منهم الأغنام والماشية وما يمتلكون من أموال وثياب وغيره، وقد وصل المغضب ورجاله إلى مضيق بين جبلين لكي يقتسموا ما سلبوه، ووقف الإمام بجانب بوابة المضيق وهى المخرج الوحيد للمكان، وقام بقتل كل من يخرج منه، حتى خرج الملك المغضب وحز رأسه، وانتهت المواجهة بإشهار بعض الفرسان إسلامهم ورفض البعض الآخر، وقيام الذين أشهروا إسلامهم بقتل من رفضوا استجابة لأمر الإمام على بن أبى طالب، وبعد أن فرغوا جمع الإمام الغنائم من أموال ومواشي وأغنام، وعرض عليه من أسلموا أن يساعدوه فيما هو ذاهب إليه، ورفض الإمام مشاركتهم وأكد أنه قادر على مواجهته بمفرده، ثم طالب بأن يساعده خمسة رجال على قيادة الماشية، وحسب نص السيرة في الجزء الذي ننشره اليوم برز له خمسة رجال من شجعانهم، وقالوا: يا بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن غلمانك وخدامك ومهما أمرتنا به امتثلناه، وتقدموا إلى تلك الغنائم فساقوها بين يدي الإمام رضي الله تعالى عنه وهو سائر مسرور بما فتح الله على يديه، ولم يزالوا سائرين إلى أن دخلوا وادي الظل الذي فيه الرعاة، وكان الإمام رضي الله عنه لما قتل عدو الله المغضب أخذ رأسه معه، فلما أتوا إلى وادي الظل تأمل الرعاة فعرفوا الإمام رضي الله عنه، ونظروا سائقة الغنم الخمس رجال ورأس عدو الله المغضب مع الإمام، فلما تأملوا ذلك فرحوا فرحا شديدا، وكانت الرجال لما أخذت مواشيهم كبرت بليتهم خوفا على أنفسهم من أصحابها وأيقنوا بالقتال، وقال: اهربوا، وقال بعضهم: كيف نهرب ونترك أهلنا؟، وقال بعضهم: على رسلكم حتى ننظر أمر صاحبنا ولقد رأينا منه شجاعة عظيمة، أما رأيتم كيف قفز وعدي النهر بوثبة واحدة إلينا؟، وقال بعضهم: يا ويلكم تتوهمون الأباطيل من الأماني وتظنون أن رجلا واحدا يصل إلى أربعة ألاف فارس شجاعان عوابس، ولم يزل القوم على ذلك متقلبون إلى أن ذهب النهار فباتوا قلقين بقية ليلتهم إلى أن برق ضياء الفجر وطلعت الشمس، فبينما هم كذلك الرجاء والأمان إذ طلع من بطن الوادي طالع فتأملوه فإذا هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والغنائم بين يديه والخمس رجال يسوقونها معه، فلما رأى القوم ذلك بهتوا وقالوا: انه ما خلصها من المغضب وقومه إلا بعد قتال شديد، وصاروا في هذا ومثله إلى أن قرب منهم الإمام رضي الله عنه، فلما وصل إليهم قام رجل من رجالهم يقال له جنبل بن وكيع(شخصية خيالية) وقال: أنا أساله لأن اللسان يقصر عن وصف هذا الإنسان الجليل المقدار، ولولا أرادنا ما كان نزل عندنا، ولو كرهنا لقتلنا عن آخرنا وأخذ سلبنا(ما يسلب: مثل الثياب والمال وسلاح ودابة ..) ومواشينا، ولكن لابد أن أخاطبه وأجاوبه مجاوبة القاصد للمقصود، فان خاطبني لا يخفى علىَ ما عنده، فقالوا له: افعل ما بدالك وما تريد، (قال الراوي) فتقدم جنبل بن وكيع إلى الإمام رضي الله عنه ورحب به، وقال: يا فتى الفتيان إن الذي بين يديك من الغنيمة هولك وأنت أحق به من غيرك، لأننا يا مولانا تحت الرجاء لكرمك متطاولون إن مننت فلك ما أحسنت وان فعلت غير ذلك فيحق ما فعلت، لأننا يا مولانا لم نقم بشئ من واجبك، ولم تكن لنا معرفة بك حتى عرفنا باسمك هاتف بالأمس وزجرنا زجرا شديدا واخبرنا بك وباسمك، وأعلمنا بأنك البطل الصبور زوج البتول(لقب مريم العذراء أطلقته الشيعة على فاطمة الزهراء، والبتول في اللغة المنقطع عن الحاجة لغيره، وسميت مريم العذراء بالبتول لأنها كانت منذورة لله تعالى أي منقطعة إليه، أو لأنها مبتلة لم تتزوج) وابن عم الرسول مفرق الكتائب ومظهر العجائب، الحسام القاضب والأسد الطالب ليث بني غالب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ثم أن جنبل بن وكيع انشد يقول:

أنت الذي بفعالك يضرب المثل             ومن قبالك يخشى السهل والجبل

    أنت المنكس رأس القوم من فزع            بذي الفقار ونار الحرب تشتعل

    من سالموك ففي عيش وفي رغد              ومن يعاديك مقضى دونه الأمل

فان عفوت فأهل العفو أنت                     وان هلكت يا ضرغام يا بطل

الحق لاح ينا لما حللت بنا                    وفي يديك رجاء الخوف والأمل

(قال الراوي) فلما سمع كلام جنبل بن وكيع تبسم الإمام ضاحكا من قوله لأنه فصيح اللسان، وقال له: يا ويحك من ذلك علي اسمي، فاعلمه جنبل بقول الهاتف وما كان من أمره، فعند ذلك نظر الإمام إليهم فرأى أحوالهم قد مالت إلى الاصفرار من شدة ما أصابهم من الخوف من هيئة الإمام رضي الله تعالى عنه، فلما رأى الإمام كرم الله وجهه منهم ذلك قال لهم: ابشروا يا قوم بما يسركم فنحن باب السلامة ولنا الشفاعة في الناس يوم القيامة، دونكم وسابقتكم وليأخذ كل واحد منكم ما كان يرعاه لسيده وارجعوا على مكانكم، فعند ذلك ردت ألوانهم إلى الاحمرار ونهض كل واحد منهم وأخذ ما كان يرعاه لسيده، ثم اقبلوا نحو الإمام كرم الله وجهه وقالوا: يا سيدنا ألا تستعين بنا على أمورك وتستنهضنا في حوائجك لنجازيك على بعض، وان كنا لا ندرك مداركك فعرفنا يا مولانا إلى أين تريد؟، وإلى من تكيد؟، فقال لهم الإمام: يا قوم أني أريد صاحبكم الملك الهضام الجحاف وصنمه المنيع الذي فتن به العباد، فنظر القوم عند ذلك بعضهم لبعض وقالوا: يا فتى من كانت هذه الفعال فعاله ما يبعد عليه ما يطلبه، ولكن صاحبنا الهضام في جمع غفير وعسكر جسيم(ضخم) وحصون مانعمه، فدبر ذلك بحسن رأيك وها نحن معك فيما تريد، إن استعنت بنا أعناك لما وليتنا من الإحسان والتكريم الذي بدأتنا به.

إسلام الرعاة

(قال الراوي) فتبسم الإمام رضي الله عنه ضاحكا من قولهم وقال: إني لا استعين إلا با لله وبالمؤمنين، قالوا له: يا مولانا نفديك بالآباء والأمهات اخبرنا عن ما هي كلمة الإيمان؟، قال: هي كلمة خفيفة على اللسان ثقيلة في الميزان وهي أن تقولوا معي باجمعكم: لا الله إلا الله محمد رسول الله، قال جنبل بن ركيع: أما أنا فأقولها غير متأخر عنها، لما قد ظهر لي من الآيات والبراهين، لولا أن لك إلها واحدا عظيما وهو على كل شئ قدير، ما وصلت إلى ما وصلت، وأنا يا مولانا اشهد أن لا الله إلا الله، وان ابن عمك محمدا رسول الله، فلما نظر أصحابه إلى إسلامه واسلموا جميعا وحسن إسلامهم، كانوا واحدا وأربعين رجلا رعاة، ففرح الإمام بهم وبإسلامهم وقال لهم: يا قوم لا يصح إسلامكم إلا بكف قناع الحق وبذل السيف في أصحابكم فقالوا: والله يا سيدنا لو أمرتنا أن نقتل آبائنا وأولادنا في رضاء الله ورسوله ورضاك لفعلنا ذلك، فشكرهم الإمام ودعا لهم وقال: يا قوم هل عند أهل الحصن علم بأخذ سائقتكم(ما يساق وهى الأغنام والماشية)؟، قالوا: نعم وقد سبق الخبر من حصن إلى حصن حتى انتهى إلى الملك الهضام فأرسل لنا هجانين(مفردها هجان، وهو راكب الجمل) وواعدنا بالعذاب وبعده القتال، وقد اغتاظ غيظا ومع ذلك فهو من بقية التبابعة، وان الملك المنتقم من جماعته وان له جثة لم يحمله إلا الخيل العتاق، وقد جعله في أول حصن من الحصون، لأن الملك الهضام يخاف من مكره، فلذلك أبعده وجعله في أول حصونه، فلما سمع الإمام منهم ذلك الكلام تبسم ضاحكا، وقال لهم: إذا أرجعتم سائقتكم هذه إلى حصنكم ووصلتم إلى صاحبكم، فلا تكشفوا له عن خبري ولا عن اسمي، فعسى أن يخرج إلي وان يقضي الله ما هو قاض، فقال جنبل: يا سيدي إن خرج معه قومه وأصحابه وجميع عشائرهم وهم فرسان في القتال ونخاف أن يحول بينك وبينه حائل فتلومنا على ذلك، فقال لهم الإمام: إن الله فعال لما يريد، فإذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، ثم أقام القوم بقية يومهم إلى أن دخل المساء فرجعوا بالسابقة إلى حصنهم، وكان أهلهم قد قطعوا الرجاء من مواشيهم، فلما رأوا الرعاة قد أتوا بالسائقة إلى حصنهم تباشروا ووقع الصياح قي جميع جهات الحصن: بأن السايقة رجعت، فجاء القوم ولم يعلموا ما كان السبب في ذلك، فلما سمع القوم المنتقم بذكر الخبر، وكان المنتقم في هذا الوقت متكئا فاستوي جالسا، وقال: يا ويلكم ما هذا الأمر العجيب؟، فقالوا: انه بلغنا عن الرعاة: انه لما غار عليهم المغضب وأخذ المال وساقه ومضى به، كان عندهم رجل غريب عابر سبيل، فمازال في أثر القوم حتى دخلوا المضيق، فسد عليهم باب المضيق ومازال يقتل منهم واحدا بعد واحد، حتى خرج إليه المغضب بنفسه فقتله وحز رأسه وجاء بها معه، وأتى بالمال العظيم معه وقتل منهم خلقا كثيرا، وأتى بسابقتنا سالمة ودفعها إلى الرعاة باجمعها.

الملك المنتقم

 فلما سمع المنتقم هذا الكلام قهقه بالضحك الشديد حتى كاد أن يقع على قفاه، وقال: كذبوا وحق اللاتي والعزى وحق الإله المنيع، ولا أظن إلا أنهم هموا بأخذ السابقة فسد عليهم الطريق الإله المنيع، فلم يجدوا لهم منفذا ينفذون منه فرجعوا إلينا بهذه الحيلة، ثم أمر بإحضار الرعاة فأحضروهم بين يديه، وقال لهم: بأي حيلة أردتم أخذ السابقة لأنفسكم وضربتم عنا الحيلة، وحق المنيع إن لم تخبروني وتصدقوني إلا قتلتكم جميعا (قال الراوي) فعند ذلك نظر بعضهم إلى بعض وتطاولوا(مدوا عنقهم ونظروا) إلى جنبل بن ركيع لأنه كان سريع الجواب، فقال: اعلم أيها السيد العظيم أن من قطعت أنامله سرى الألم في جسده جميعه، ومن حاد عن طريق الحق وقع في المضيق، وما كنا نخرج من بلادنا ونترك أولادنا وإلهنا المنيع الذي يحفظنا وإذا سألناه أعطانا، ونترك ما صفاه من العيش ونتعرض للمنيع  فيرمينا في المهالك والدواهي، ويحرقنا بناره وليعلم إلهنا المنيع حقيقة أمرنا والخافي في سرنا فلا تكذبنا أيها السيد في قولنا، فإن الذي طرقنا هو من عطفات المغضب الذي كان يطرقكم كل عام فلا بقيتم ترون له غرة أبدا مادام الجديدان وبقى الزمان فقد قتله وقتل معه خلق كثير من قومه، فقال: يا ويلكم ومن فعل بهم هذا الفعال؟، ومن ذا الذي قدر عليهم؟، قال: فعل بهم رجل غريب من العرب وأنا أصفه لك كأنك تراه، هو غلام بطين تجلس الوحوش حواليه للمباشرة وحسن منظره ومنطقه بالصواب، ويقلع الشجرة الراسخة الأزلية.

الخروج لقتل الغلام

 (قال الراوي) فلما سمع المنتقم وصف جنبل بن ركيع عظم ذلك عليه لما وصفه من شجاعة الإمام رضي الله عنه، ثم قال المنتقم: ويحك يا جنبل وأين يكون هذا الغلام؟، قال هو قريب من بلادنا، فلما سمع ذلك المنتقم صرخ في قومه وعشيرته، فاجتمع إليه القوم وحضروا بين يديه، فقال: يا قوم إن هذا الرجل الذي رد سائقتكم وقتل عدوكم قد انتهى، فقالوا: السمع والطاعة يا ايها السيد نحن لكلامك مطيعون، ثم توعدوا بالخروج إليه في غدا، وكانت تلك الليلة التي قدم فيها الرجال من عند أمير المؤمنين، فلما برق ضياء الفجر وفتح باب الحصن خرجت الرجال، فلما تكامل القوم خرج خلفهم المنتقم، وهو مشتهر بلبس الأحمر والأصفر فركب جوادا من عناق الخيل، وقد لبس افخر ما عنده من لامة حربه وخرج من حصنه بجميع قومه، وسار المنتقم أمام قومه وهو يرتجز وينشد:

ليس الهجوم على الرجال بعزة          يدعي شجاعا مهلكا بمناجل

بطل شجاع نازل بفنائنا                أوفى العدة نائل أو نازل

سيروا بنا نلق الغلام بجمعنا            لنراه حقا مثل قول القائل

 (قال الراوي) فعندما نظر جنبل إلى ما عزم القوم قال: يا قوم أني أريد أن أسبق قبل القوم إلى الإمام رضي الله تعالى عنه فأخبره بذلك، ثم سار جنبل وقد حاد عن الطريق وسار في بعض الشعاب إلى أن وصل إلى الإمام فسلم عليه فرد عليه السلام وقال له الإمام: ما وراءك يا جنبل؟، فقال سيدي حفظك الله وانعم عليك انظر إلى أمامك وقد أتاك المنتقم بجميع قومه، فقال الإمام: إنه غنيمتي ورب الكعبة، ولكنه قد عظم عليك ما رأيت من الجيوش يا جنبل، والذي بعث ابن عمي رسولا وبالحق بشيرا ونذيرا، لو خرج إلي ملككم بجميع جيوشه لكنت ألقاه بمفردي، فقال جنبل: يا سيدي إن الهضام إذا ركب يركب معه خمسمائة ألف عنان سوابك في النزال من قومه خاصة، غير ما يتبعهم من الرقيق والغلمان والعبيد فكيف تلقاه ومعه هذا الجميع كله؟، فقال له الإمام: والذي بعث ابن عمي بالحق بشيرا ونذيرا، انه إذا برز إلى الهضام أتلقاه وحدي ولو يكون معه جميع من في الأرض من الطول والعرض، فان ثقتي بربي جل وعز فقل وأوجز، فقال: سيدي المنتقم لم يترك في الحصن رجل يرجى، بل خرج بهم إليك والمنتقم بعد يمثلهم، فانظر ماذا ترى وما تأمرني به أنا وأصحابي فإنا لكلامك سامعون؟، فلما سمع الإمام ذلك جازاه خيرا، ثم قال له: بل الذي أمركم به أيسر مما ذكرت واقرب مما إليه أشرت، فقال جنبل: ما الذي تأمرني به؟، قال الإمام رضي الله عنه: يا جنبل خذ أصحابك الذين اسلموا معك وادخلوا الحصن وأغلقوا الأبواب وأوثقوها من داخل، ولا تدعوا أحدا يدخل عليكم وأنكروا أمركم واتركوني أنا وهذا الجيش، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم، ينصر الله من يشاء وهو على كل شئ قدير، فلما سمع جنبل ذلك من الإمام التجم عن الخطاب، فقال: يا سيدي نخاف أن يسمع بذلك الملك الهضام فيأتينا بجيوشه، فقال له الإمام: يا جنبل إن لك نفسا وأجلا مقسوما، فإذا جاء اجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.

إغلاق الحصن

 (قال الراوي) فلما سمع جنبل من قول الإمام رضي الله تعالى عنه قال: إن كان الأمر كما ذكر فوالله لامتثلن لما أمرتني به، ثم قال جنبل لأتباعه: إن كنتم آمنتم بالله ورسوله واتبعتم وليه فأطيعوه واسمعوا قوله ولا تبالوا من الموت إذا نزل، فلما سمعوا ذلك تباشروا بما بشرهم به جنبل من قول الإمام من الخلود في جنات النعيم، وهانت عليهم أرواحهم في مرضات ربهم، وقالوا: يا جنبل ما الذي تريد أن تصنع؟، فقال جنبل ادخلوا الحصن على بركة الله ورسوله وأغلقوا بابه وأوثقوه وتحصنوا فيه، ولو دهمكم الملك الهضام بجيوشه وعساكره ما وصل إليكم لأنه حصن منيع كثير الطعام والماء، فان طال بكم الحصار لم تنالوا منه، وان حدث في هذا الغلام حادث فان ابن عمه محمد صلى الله عليه وسلم، (قال الراوي) فلما سمعوا مقالة جنبل وثبوا إليه، وقالوا له: أنت علينا مشير فسر بنا على ما تحب وتختار، ثم أن جنبلا أخذهم وتقدم بهم إلى الحصن، فلما وصلوا إلى باب الحصن وجدوا عليه جمعا كثيرا من النساء ينظرون أزواجهن وأولادهن وملكهم المنتقم، فلما وصل جنبل وصحابه إليهن جعلوا يفسحوهن عن الباب لداخل الحصن، فاستحيت النساء من ذلك وقالت: يا ويلكم من عبيد ما أقل أدبكم، وما الذي نزل بكم حتى تفعلوا ذلك؟، فقالوا: يا ويلكن ألم تعلمن أن هذا الغلام الذي نزل بكن ودهمكن في أزواجكن وأولادكن هو العذاب الواقع والسم النافع ابن عم الرسول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، قد أتى إليكم بجيش وقد كمنوا في الشعاب، وقد نزل إلى سيدكم المنتقم بجيشه، وقد أمرنا بحفظ الحصن وما فيه والحماية عنه، فمن كان عندها سلاح فلتأتنا به، واجمعوا الجنادل(الصخر) والأحجار (قال الراوي) فلما سمع النساء ذلك بادرن إلى أماكنهن واتين بجميع الأسلحة، ثم اقبل جنبل على أصحابه وقال: يا قوم إني أخاف أن يضرب الشيوخ علينا الحيلة ويمكروا بنا، فقال أصحابه: وما الذي ترى؟، قال: الرأي عندي أن تمضوا إليهم وتقتلوهم فلا حاجة لنا بهم.

قتل الشيوخ وربط النساء

 (قال الراوي) فمضى العبيد وقتلوا الشيوخ عن آخرهم، قال: فلما رأت النساء ذلك تصارخن، فقال جنبل لأصحابه: أوثقوهن كتافا واطرحوهن في بعض زوايا الحصن، ففعلوا وطابت خواطرهم ووقفوا على أعلى السور وأشهروا سيوفهم ونصبوا الأعلام وفرقهم جنبل في جوانب الحصن، فهذا ما كان من أمر جنبل وقومه، وأما ما كان من خبر عدو الله المنتقم فانه قد سار بقومه حتى أشرف على أمير المؤمنين، الذي لم يكبر عليه عظم كثرتهم، بل انه أظهر ميله إلى الحرب، وكان على شاطئ النهر مما يلي حصنهم وديارهم، فوثب قبل وصولهم إليه وثبة عبر بها إلى الجانب الأخر، وأقبل إلى الجسر وتأمله فإذا هو من الخشب مركب على أعمدة، فضرب بيده على ما يليه من الأخشاب فقلعها من موضعها وأزالها من مكانها، وكان عليه كثير من التراب فانهال جميع ذلك في النهر وذهب به الماء، وانقطع الجسر وعاد الإمام مكانه وصار متكئا على جحفته غير مكترث، ولم يزل الإمام جالسا مكانه إذ أشرف عليه القوم وما زالوا سائرين إلى أن وصلوا إليه فنظروا إلى النهر فرأوه وقد قطعه الإمام وحده فعظم عليهم ذلك وتعجبوا منه، وقالوا: وحق زجرات المنيع ما يفعل هذا رجل واحد، ثم أنشد يقول:

يا أيها الرجل الجميل فعاله             نعم المعارك قد فعلت صنيعا

لك عندنا مال وأحمال جزا               أني لأمرك في الأمور مطيعا

يطير في الهواء

 (قال الراوي) فلما سمعه الإمام بادر بالغضب ووثب وثبة الأسد وتجرد من أطماره(ملابسه البالية) ثم جرد سيفه وأخذ جحفته( القربة، مايجتحف بها الماء) وعدو الله باهت لا يدري ما هو عازم عليه، ثم تقدم الإمام إلى شاطئ النهر بوثبة واحدة واجتمع وانفرد من الأرض فعدا النهر بوثبه وهجم على عدو الله وقال له: أنت عدوي وأنا عدوك، وأنت طلبي وأنا طلبتك يا ويلك أفق من رقدتك، أنا العذاب الواقع أنا الأسد الزؤر والوحش الجسور وزوج البتول وابن عم الرسول، ممزق الكتائب ومظهر العجائب ليث بني غالب علي ابن أبي طالب، (قال الراوي) فمال إليه الفرسان من كل جانب ومكان، ولما سمع المنتقم مقالته وعلم انه علي بن أبي طالب ارتعدت فرائصه وصرخ بصوت قوي وقال لقومه: يا ويلكم أدركوني من قبل أن تفقدوني من بينكم، فهذا الغلام الذي خرجت بكم إليه وقدمت بكم عليه هو علي بن أبي طالب، فمالت الفرسان ووثب إليه الإمام وضربة ضربة بسيفه عرضا فارمي عدو الله بنفسه إلى الأرض ونادي: يا ابن أبي طالب ليس العجلة من شأنك، فرمى الإمام السيف عنه وقال: يا عدو الله وعدو نفسك قل ما أنت قائله، فعند ذلك حمل عليه القوم حملة واحدة قوية وهجموا بكثرتهم ودهموا بجمعهم، ثم قام عدو الله وحمل على الإمام وقد قوي عليه قلبه وشد عزمه بإنجاد قومه له وقال: يا ابن أبي طالب هذا ما جنيته لنفسك وإن لم ترد سائقتنا إكراما منك إلينا بل أردت الخديعة والدخول حصننا والذي أملته بعيد يا ابن أبي طالب يا عدو المنيع وعدو الآلهة العظام، فما بقي محمد ابن عمك ينظر إلى طلعتك، فإن الحياة عادت حراما عليك بعد هذا اليوم، فقال الإمام: كذبت يا ملعون ولا أزول عنكم حتى أذيقكم كأس الموت والحمام(قضاء الموت و قدره) وأنا الأسد الضرغام والبطل المقدام ممزق الكتائب ومظهر العجائب ليث بني غالب علي بن أبي طالب، فلما سمع المنتقم ذلك ثار من الغيظ وقال لقومه: احملوا عليه بكثرتكم وميلوا عليه بكليتكم، ثم صرخ جديعة بن كثير(شخصية وهمية) وكان غلاما كثير الجسارة وفارسا مشهورا، فحمل عليه الإمام ولم يمهله حتى ضربه عرضا فرمى رأسه مع رقبته، فلما نظر القوم ذلك حاروا ودهشوا من فعاله وهابوا أن يتقدموا إلى ورائهم وهم ينادون إلى أين يا ابن أبي طالب لنذيقك اليوم المعاطب؟، وظنوا أنهم قادرون على الإمام (قال الراوي) فصرخ فيهم الإمام صرخة الغيظ المشهورة في القتال، ثم حمل فيهم وصاح: إلىّ يا أولاد اللئام وحق رب الكعبة لا أزول عنكم حتى أبدد(أفرق) شملكم، ثم حمل عليهم الإمام ووضع درقته(ترسه) في صدر القوم، وانشد يقول:

أنا الخطاب والجزار ادعي                         أمير المؤمنين فهل معاني

أنا قرم(سيد أو فحل) الهياج الهاشمي                 هدمت لخيبر بدء الزمان

أفيض على الأرامل بالعطايا                        وأكرم جيرتي في كل آن

وهل نار الحروب سوى علي                      فدونكم تروني بالعيان

 (قال الراوي) فلما سمعوا ذلك نظر بعضهم إلى بعض والمنتقم مطرق لكلام الإمام كإطراق الحصان لصلصلة اللجام، فعند ذلك أقبل عليه قومه وقالوا له: أيها السيد ما الذي تأمرنا به؟، قال لهم: هل تتبعوني؟، قلوبكم مملوءة من الحزن والوجل شقيتم من قوم تتبعون الشعار وقد جللكم، فما تم كلامه حتى برز إلى الإمام من القوم غلام رشيق وبيده عتيق وهو على مضمر من الخيل العتاق، فتقدم إلى المنتقم وقال: أيها السيد وحق المنيع لآتيك برأسه سريع، فقال المنتقم: ابرز إليه فلك كل المكارم، فلما خرج الغلام من بين القوم، قال الإمام: ظهر لي شجاعته فأحببت أن يكون مثله لله ورسوله، فناديته: يا غلام أرى سيدك قدمك للمهالك فارجع فاني لك ناصح، فلما سمع الغلام كلام الإمام تبسم ضاحكا وقال: أنا ما انزعج إلا من نار المنيع، فقال: فعطف عليه الإمام وضربه عرضا على صدره فخرج السيف من ظهره فسقط أبو الهراش.

المنتقم يواجه الإمام

(قال الراوي) فلما نظر المنتقم ذلك مشى إلى الإمام وله جسم كالبعير ونادى برفيع صوته: يا ابن أبي طالب ان البغي مسرعة الرجال وسهام الأبطال، ومن زها بنفسه وعجب بشجاعته أورده ذلك موارد العطب، ومن سل سيفه ظلما قتل به رغما، (قال الراوي) ثم أن الإمام حمل على عدو الله وحمل الآخر كذلك وتقارنا وتحاربا، وشهد القوم منهم مشهدا عظيما ما روى الرواة مثله، قال الإمام: فوجدت عدو الله صبورا على الضرب جسورا على الطلب، ثم أن الإمام جمع نفسه وقد كثر بينهم العراك والقلق، وقد احمرت الحق، فعلم الإمام من عدو الله التقصير وقد اشرف على الهلاك فنادي ابن أبي طالب وقال للمنتقم: أرفق قليلا أرفق قليلا حتى اخاطبك بكلام لك فيه المصلحة، فتأخر عنه الإمام وقد طمع في إسلامه، وقال في نفسه: والله اشتهيت أن يكون مثل هذا الأسد الأروع في الإسلام ثم تأخر عنه وقال له: قل ما تشاء، فقال: يا ابن أبي طالب، أنا قد أرحمك لحسن فعالك، ورأيت أن أعفوا عنك وأطلق لك السبيل لأني علمت انك قد أشرفت على الهلاك، فانا ابعث إليك بفرس ومطية وأزودك الماء والزاد، واهب لك من الأموال ما يكفيك وترجع إلى ابن عمك سالما غانما، وأنا اشهد لك بين القبائل والعربان بالشجاعة والبراعة، ثم حمل الإمام مع كلامه وقال: يا ويلك اشر لنفسك وأهلك وأولادك وجميع قومك أن يقولوا: لا الله إلا الله محمد رسول الله، ثم حمل الإمام وطلب انجاز الوعد، فنظر عدو الله إلى الإمام، وقد عزم على قتله وصمم بعد أن ارتعدت فرائصه وصار يرتعد كالسعفة في الريح البارد فنادي وقال: يا ابن أبي طالب الصدق أو في سبيل، فبالله أبقني فان لي في القوم مالا وأهلا وأولادا، فإن ملت إليك يقطعوا بيني وبين أهلي وأولادي وجميع مالي، فخلى سبيل حتى أخاطب قومي فان أجابوا إلى ما أريد كان الرأي الحسن، وان خالفوني دبرت أمري وخالفتهم وفارقتهم، فقال له الإمام: افعل ما بدالك وأنت بين الجنة والنار فامض إلى أيهما شئت، وطمع الإمام في إسلامه فخلى سبيله، فرجع المنتقم إلى قومه وقد تعضعضت أركانه وخمدت نيرانه، فقالوا له: أيها السيد الكريم ما فعلت بهذا الغلام؟، فقال المنتقم: وسطوة المنيع لقد نازلت الإبطال فما رأيت غلاما اصبر من هذا على القتال فما الرأي في أمره وما تفعلون؟، فقالوا: نحن معك فالذي ترضاه لنفسك رضيناه لنا والذي تأمرنا به فعلناه، فقال يا قوم: إن هذا الغلام يريد منا أن نرفض عبادة المنيع الإله الرفيع ونعبد إلهه، ونشهد لا بن عمه بالنبوة ونكون معيرة العرب في المحافل، قالوا: وما نرى جوابنا إلا إننا نمهله بقية يومنا هذا إلى أن ينسبل الظلام فنسير إلى حصننا ونتحصن فيه من داخله، ونوفق أقفاله فلا يستطيع الوصول إلينا، ونرسل رسولا إلى الملك الهضام فيأتيا بجنوده وعساكره، وأهله كل حصن يمدوننا بالنصر على عدونا فقالوا جميعا: افلح الله رايتك أيها السيد، هذا هو الرأي السديد فاتفق رأيهم على ذلك ثم قالوا: دبر هذا الأمر بعقلك انه لا يصلح إلا لمبارزة كسرى وقيصر.

الهروب إلى الحصن

(قال الراوي) فلما اختلط الظلام نظر الإمام إلى جهة القوم، وإذا هو برجل خارج من جيش المنتقم مسرعا إلى جهة الحصن فظن انه رسول فلصق بطنه وتأمل، فإذا هو بأخر قد خرج من ورائه وأخر في أثره، وهم ينسلون واحدا بعد واحد هربا إلى الحصن، فلما رأى ذلك الإمام علم أنهم عزموا على الهروب إلى الحصن، فأخذ سيفه وجحفته وجعل يزحف على بطنه كالحية على وجه الأرض إلى أن وصل إلى جانب النهر، وجمع نفسه ووثب فعدي النهر، ولم يعدل عليهم بل عدل عنهم، وأسرع إلى جهة الحصن يريد الوصول إليه قبل أن يصل إليه أحد منهم، فمازال الإمام يسرع في سيره فلم يكن إلا أقل من ساعة حتى وصل إلى الحصن ولم يصل إليه احد قبله، فنظر إلى أعلاه فرأى العبيد على أعلي السور، وقد رفضوا الرقاد(النوم) وأداموا على السهر بكليتهم، وقد خلعوا العذار(جانب من اللحية) في مرضاة الملك الجبار، فلما نظر أسرع جماعة منهم وهموا أن يرموه بالأحجار، فنادي الإمام: لا ترموا بأحجار وافتحوا إلى الباب شكر الله سعيكم وأمنكم من عدوكم، فعرف القوم صوته ففتحوا له الباب وفرحوا به فرحا شديدا، وكانوا قد آيسوا(يئسوا) منه، وقالوا: يا سيدنا أقلقتنا بإبطائك وكثر خوفنا عليك، ونوينا على القتال إلى أن نقتل عن آخرنا في مرضاة ربنا، فجزاهم الإمام خيرا، ثم قالوا: فما كان خبرك حتى أبطأت علينا؟، فقال: ما يكون إلا الخير والسلامة وفي هذه الليلة يظهر لكم إن شاء الله تعالى تمام الكرامة، ثم قال لهم الإمام: اخرجوا بأجمعكم خارج الباب، ولا تمنعوا أحدا من الدخول، وأنا أبلغكم منهم المأمول، فقال جنبل بن ركيع: يا سيدي وما الذي عزمت عليه؟، قال: أن اضرب رقابهم، فذهل القوم من كلام الإمام وخرجوا بأجمعهم إلى خارج الحصن، فلم تكن إلا ساعة وإذا بالقوم مقبلين وفي أوائلهم ذؤيب بن ياسر الباهلي(شخصية وهمية)، فقال له جنبل ما وراءك يا ذؤيب؟، فقال: لا تسألني عن الموت الفاصل، ثم هم ودخل في الحصن والإمام يسمع كلامه ثم ضربه ضربة قسمه نصفين ثم سكت وأخفى حسه، فبينما هو كذلك إذ دخل أخر فقاربه الإمام وضربه ففلق رأسه عن جسمه، (قال الراوي) فبينما هو كذلك إذ دخل آخر فقاربه الإمام وضربه فأزال رأسه عن جثته. 

* مفكر وباحث مصرى 

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.