تسجيل الدخول

السيرة الشعبية للإمام علي بن أبي طالب 5

2011-04-29T11:12:00+03:00
2014-03-09T16:21:10+03:00
تقارير
kolalwatn29 أبريل 2011آخر تحديث : منذ 9 سنوات
السيرة الشعبية للإمام علي بن أبي طالب 5
كل الوطن

يقدمها ويحققها: علاء عريبى *

ـ الإمام يطير فى الهواء ويعبر النهر ويسبق الملك المنتقم وجيشه إلى الحصن

ـ أمر رجاله أن يخيروا جنود المنتقم بين النطق بالشهادة والدخول فى الإسلام وبين الموت بالسيف

ـ الملك المنتقم يعرض أحمال من الذهب الأحمر والجواهر على الإمام على والنبى محمد مقابل تركه يعبد الأصنام

ـ المنتقم يفضل الموت عن الدخول فى الإسلام ويهدد الإمام بالخطاف الهندى الحميري

ــ الإمام يحضر نساء رجال المنتقم ويأمر بقتل المرأة التي ترفض إشهار إسلامها

ــ ثلاثمائة فارس يتطوعون لمساندة الإمام على في حربه ضد مروع الوحوش

ـــ  جميل بن كثير رسول النبي محمد لملك الجن الكافر يفتتن بجنته وناره ويسجد للمنيع مائة سجدة

ــ ناقد بن الملك الهضام يخرج على رأس جيش لقتل الإمام على بن أبى طالب

 بدأت السيرة بإستغاثة الجني المسلم عرفطة بن شماخ بالنبي محمد عليه الصلاة والسلام، من جبروت ملك الجن الكافر الهضام بن الحجاف الذي صنع من الحجر إلها أسماه المنيع، وجعل له نار وجنة ولكل منهما زبانية وحور عين، يدخل النار الذي يعصاه، ويحسن للمطيع بدخول الجنة، وهما مجرد حفرتين، وطلب من الرسول أن يرسل له الإمام على بن أبى طالب لأنه على حد قوله هو الوحيد القادر على محاربة الجن والعفاريت والانتصار عليهم، ويستشير الرسول الصحابة وخلال استشارته لهم ينزل جبريل ويخبر الرسول باختيار الله عز وجل الإمام على لمحاربة الملك الهضام، ويتم تكليف على ويخرج بمفرده للمهمه، وفى الطريق إلى اليمن وهو المكان الذى يعيش بقربه الملك الهضام، يتبعه أحد المنافقين بهدف انتهاز فرصة وقتله، ويمر الإمام بوقائع تشبه قصة الخضر وموسى المذكورة فى القرآن، فيقتل رجل يقدم للمارة الماء والطعام المسموم، ويقتل أسود، ويقتل رجل يقدم زوجته للمارة، ثم يقتل المنافق الذى طلب مصاحبته فى رحلته بعد أن فسر له سبب قتله كل هؤلاء، بعد ذلك يصل الإمام إلى وادى القمر فى اليمن ويقتل هناك الملك المغضب وينتصر على جيشه الذي يصل تعداده أربعة ألاف فارس، وقد عرضنا فى الحلقة السابقة عرضنا للجزء الخاص بوصول الإمام على إلى وادي الظل، وهناك واجه الامام بمفرده  الملك المنتقم ورجاله، حيث قام بمحاصرتهم في وادي ضيق وقتل منهم أشجع فرسانه، وكاد ان يقتل الملك المنتقم، لكنه خدعه وجعله يتركه بحجة عرض الإسلام على رجاله، وبعد دخول الظلام ينتبه الإمام على إلى هروب المنتقم ورجاله نحو الحصن، فيسبقهم ويطير فى الهواء ويعبر النهر، ويصل قبلهم إلى الحصن الذى كان قد ترك فيه بعض العبيد الذين أشهروا إسلامهم، وامرهم بغغلاق الحصن عليهم، وفى بداية هذه الحلقة نبدأ مع الراوي من دخول الليل ومحاولة أول رجل من رجال المنتقم الهرب إلى الحصن،(قال الراوي) فلما اختلط الظلام نظر الإمام إلى جهة القوم، وإذا هو برجل خارج من جيش المنتقم مسرعا إلى جهة الحصن، فظن انه رسول، فلصق بطنه وتأمل فإذا هو بأخر قد خرج من ورائه وأخر في أثره، وهم ينسلون واحدا بعد واحد هربا إلى الحصن، فلما رأى ذلك الإمام علم أنهم عزموا على الهروب من الحصن، فأخذ سيفه وجحفته(القربة، ما يجتحف بها الماء) وجعل يزحف على بطنه كالحية على وجه الأرض إلى أن وصل إلى جانب النهر، وجمع نفسه ووثب فعدي النهر ولم يعد عليهم بل عدل عنهم، وأسرع إلى جهة الحصن يريد الوصول إليه قبل أن يصل إليه أحد منهم، فمازال الإمام يسرع في سيره فلم يكن إلا أقل من ساعة حتى وصل إلى الحصن ولم يصل إليه أحد قبله، فنظر إلى أعلاه فرأى العبيد على أعلى السور، وقد رفضوا الرقاد وأداموا على السهر بكليتهم(جميعهم)، وقد خلعوا العذار(يقال خلع فلان عذاره انهمك في الغي ولم يستح  ) في مرضاة الملك الجبار، فلما نظر أسرع جماعة منهم وهموا أن يرموه بالأحجار، فنادي الإمام: لا ترموا بالأحجار وافتحوا إلى الباب شكر الله سعيكم وأمنكم من عدوكم، فعرف القوم صوته ففتحوا له الباب وفرحوا به فرحا شديدا وكانوا قد آسوا(يئسوا) منه وقالوا: يا سيدنا أقلقنا بإبطائك وكثر خوفنا عليك، ونوينا على القتال إلى أن نقتل عن آخرنا في مرضاة ربنا، فجزاهم الإمام خيرا، ثم قالوا: فما كان خبرك حتى أبطأت علينا فقال: ما يكون إلا الخير والسلامة، وفي هذه الليلة إن شاء الله يظهر لكم تمام الكرامة، ثم قال لهم الإمام: اخرجوا بأجمعكم خارج الباب، ولا تمنعوا أحدا من الدخول وأنا أبلغكم منكم المأمول، فقال جنبل بن ركيع: يا سيدي وما الذي عزمت عليه؟، قال: إن اضرب رقابهم، فذهل القوم من كلام الإمام، وخرجوا بأجمعهم إلى خارج الحصن.

الموت الفاصل

 فلم تكن إلا ساعة وإذا بالقوم مقبلين وفي أوائلهم ذؤيب بن ياسر الباهلي(شخصية وهمية)، فقال له جنبل: ما وراءك يا ذؤيب؟، فقال: لا تسألني عن الموت الفاصل، ثم هم ودخل في الحصن والإمام يسمع كلامه، ثم ضربه ضربة قسمه نصفين، ثم سكت وأخفى حسه، فبينما هو كذلك إذ دخل آخر فقاربه الإمام وضربه ففلق رأسه عن جسمه، (قال الراوي) فبينما هو كذلك إذ دخل آخر فقاربه الإمام وضربه فأزال رأسه عن جثته، وإذا بضجة عظيمة فتأملهم، وإذا هو بعدو الله المنتقم راكبا على بعيره وحوله غلمانه وشجعانه، وقد أحاطوا به من كل جانب، فلما وصلوا إلى باب الحصن أناخوا البعير(يقال للجمل والناقة بعير، ج: أباعر وأباعير وبعران ) ثم حملوا عدو الله وانزلوه، فتقدم إلى باب الحصن يريد الدخول فوقف والتفت إلى أصحابه، وقال لهم: يا ويلكم ألزموا باب حصنكم إلى أن تتكامل أصحابكم وادخلوا الحصن وأغلقوا بابه وتحصنوا، ثم أن عدو الله تركهم على الباب ودخل الحصن ومعه رجل من جماهير قومه، فرفع جنبل صوته يسمع الإمام وقال: يا مولاي يبلغك الإله مأمولك وأعطاك سؤالك، لقد أبردت بعقلك قلبي وسررت خاطري، فعند ذلك فهم الإمام إشارة جنبل، وكان للحصن بابان من داخل بعضهما، فوقف الإمام رضي الله عنه عند الباب الثاني، وأخذ سيفه وجحفته ثم أقبل على عدو الله المنتقم وحواليه السيوف مسلولة، وهو في وسط القوم كعلو الفارس على الراجل، فلما وصل إلى الإمام وثب عليهم وصاح صيحته المعروفة الهاشمية، وقال: إلى أين يا لئام؟، إلى أين المفر من إبن عم خير البشر؟، فلما سمع القوم ذلك ولوا هاربين يمينا وشمالا، وصار عدو الله وحده واقفا باهتا لا يدري ما يصنع فنادى: يا ابن أبي طالب أحسن إلي وابقي بكرمك علي، فقال الإمام: أتخدعني يا عدو الله، والله إن لم تقر لله بالوحدانية ولمحمد ابن عمي بالرسالة لأقتلنك اشر قتلة، فقال له: يا ابن أبي طالب بحق ابن عمك محمد إلا أبقيت علي، فعند ذلك أخذ الإمام عمامته بعد أن ألقاه على الأرض وكبه على وجهه وأوثق كتافه وجمع يديه إلى رجليه وتركه لا يستطيع ان يتحرك وعمد الى القوم، فقال لهم: قولوا نشهد أن لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله، فقالوا باجمعهم: نشهد أن لا اله إلا الله، وان بن عمك محمدا رسول الله، فقال لهم الإمام رضي الله عنه: ما يتحقق عندي إسلامكم فقالوا له: يا ابن عم رسول الله هذا حقيقة إسلامنا، قال: نعم، (قال الراوي) فعند ذلك جردوا سيوفهم وعمدوا مع الإمام إلى الباب الذين هم داخله، ففتحوه فوجدوا القوم قد دخلوا كلهم من الباب الأول، واجتمعوا عند ذلك الباب الذي من داخله أمير المؤمنين فخرجوا لهم وحطوا السيف فيهم.

الإسلام أو الموت

 وأقبل جنبل وقومه من خلفهم وصاحوا فيهم: الله اكبر فتح ونصر، هذا والإمام رضي الله عنه يقول: أمروهم أن يقولوا: لا الله إلا الله وإلا نفنيكم عن آخركم، فمن قالها ارفعوا عنه السيف ومن أبى فاقتلوه، فما زالوا كذلك إلى مضى ثلث الليل، فنادي القوم بأجمعهم: الأمان يا ابن أبي طالب ونحن أسراك وفي يدك، فقال لهم رضي الله عنه: لن يؤمنكم من سيفي إلا أن تقروا لله بالوحدانية ولمحمد الرسالة وإلا أفنيكم عن أخركم فصاحوا باجمعهم: نحن نشهد أن لا اله إلا الله وان ابن عمك رسول الله، فأمر القوم أن يرفعوا عنهم السيف، فما مضى نصف الليل الأول إلا وقد كفاه الله القوم ولم يبق عندهم من يقاتل أبدا، وأقبلت الرعاة وجنبل إلى الإمام، وقبلوا يديه وهنئوه بالسلامة وبما فتح الله عليه في تلك الليلة، فحمد الله تعالى واثني عليه ثم خر ساجدا لله تعالى في وسط الحصن شكر الله تعالى، (قال الراوي) فلما فرغ الإمام من سجوده ورفع رأسه واستوي قائما أمر بإحضار عدو الله المنتقم، فاحضر بين يديه فأمر بحل كتافه وقال: يا عدو الله وعدو نفسك انك على شفا جرف(على حرف بئر لم تبن بالحجارة)هار( انهار أو هدم ) إما إلى النار وإما إلى الجنة، يا ويلك اقر لله بالوحدانية ولمحمد بالرسالة تفز في الدنيا والآخرة واصرف عنك المحال ودع عبادة الأصنام.

المنتقم يرشوا الإمام

 فقال المنتقم: يا ابن أبي طالب اجعل لك جعلا أرسله إليك والى ابن عمك في كل عام من جميع ما تختاره من الصنوف المثمنة من الجواهر والذهب الأحمر وما أشبه ذلك، فقال له الإمام: يا ويلك أما مالك ومال قومك ومال ملكك إن شاء الله تعالى احمله كله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أقتلك وأكسر صنمك، وأنت والله ما يخلصك من سيفي إلا قول لا الله إلا الله محمد رسول الله، فقال: يا ابن أبي طالب أما هذه الكلمة لا أقولها أبدا، وإن عجلت قتلي فلي من يأخذ الثأر، وها هو أمامك المسمى بالخطاف هندي الحميري يقتنص الوحوش في فلواتها(فلاة: صحراء) والأسود في غاباتها، فلما سمع الإمام ذلك من عدو الله فار(غلى واعتمل) بالغضب وقال: الذي أوصلنا إليك يوصلنا إلى غيرك، وأما أنت فقد عجل الله بروحك إلى النار، ثم قام الإمام على قدميه وضرب عدو الله المنتقم بذي الفقار(اسم سيفه) فأزال رأسه.

قتل النساء

(قال الراوي) ثم الإمام عليا رضي الله عنه أمر بإحضار النساء فأحضرت بين يديه فعرض عليهن الإسلام، فمن أسلمت اقرها في مكانها ومن أبت وكل بها من يقتلها(هذا الكلام بالطبع مخالف للشريعة الإسلامية)، فلما فرغ الإمام من ذلك جمع الأموال وجمع ذلك كله في دار عدو الله المنتقم وقفل عليه وختمه وأوصى بحفظه، ثم اقبل الإمام على القوم وقال لهم: إن الله سبحانه وتعالى قد دعاكم للإسلام ومن عليكم بالإيمان وأنقذكم من ظلمات الكفر والطغيان، واني ماض عنكم فالله في أنفسكم فلا تكفروا بعد إيمانكم ولا تنافقوا في إسلامكم آمل الله الرجعة إليكم عن قريب إن شاء الله تعالى بعد بلوغ ما أريد من ملككم الذميم واصرف شره وشر صنمه وشيطانه الرجيم، فقالوا جميعهم: يا ابن عم الرسول أنا لن نؤمن إلا بحقيقة أمرنا وقد علم الله صدقنا، وأراد لنا الحياة واطمأنت أنفسنا ونسير معك وبين يديك، فما يكبر علينا أن نقاتل بين يديك ملكنا وأهلنا، فلما سمع الإمام منهم ذلك سر بمقالتهم وعزل لهم مائة رجل يمكثون في الحصن، وأمر عليهم جنبل بن خليل الباهلي وأوصاه بالشفقة على من في الحصن ووصاهم بحفظ ما فيه، وأمر على الرعاة جنبل بن وكيع، فقال جنبل: يا أمير المؤمنين بالذي بعث ابن عمك بالحق بشيرا ونذيرا لا تأخرني عن المسير معك لحرب قومي وقتال عشيرتي، يطول دهرنا وزماننا ولا اتركه حتى يشفي غليل قلبي وما قدمت من ذنبي، فجزاه الإمام خير على كلامه وقال له: يا جنبل فان الله كريم لا يعجل على من عصاه، ثم أن الإمام دعا بعبد يقال له حصن بن شنبش(شخصية وهمية من شخوص السيرة) وأمره على الرعاة وأوصاه بحفظ السائقة والأموال وأوصاه يروحها كل ليلة إلى داخل الحصن.

وادي الحديق

 ثم سار الإمام وأخذ معه ثلاثمائة فارس طالبين حصن رامق ووادي الحديق وصاحبه الأمير عليه الخطاب بن هند الحميري الملقب بمروع الوحوش، فساروا وقد أخفى الله أمرهم وما جرى لهم، فلم يعلم أحد من أهل الحصون والأودية، وأما الملك الهضام فقد اشتد كفره وطغيانه وتجبره، وقد شاع في العرب ذكره وعظم خطره وكان يركب كل سنة ثلاث مرات إلى صنمه، فإذا دخل عليه خر له ساجدا من دون الله عز وجل، فلا يرفع رأسه حتى يهتف الشيطان بصنمه ويأمره بالقيام، (قال الراوي) فبينما عدو الله في تزايد كفره إذ ورد عليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جميل بن كثير العابد(وهو الذى تبرع فى بداية السيرة حمل رسالة الرسول إلى الملك الهضام مشترطا عدم رئاسة على بن أبى طالب له، وهو من شخوص السيرة) فاستأذن في الدخول على الملك، قيل له: اصبر حتى نخبر الملك بقدومك، ثم أن الحاجب أخبر الوزير بقدوم ذلك القاصد فأخبر الملك بذلك، فقال: أيها الملك انه أتاك اليوم قاصد، يذكر أنه من عند محمد صاحب يثرب وابن عمه علي بن أبي طالب، واستأذن في الدخول عليك والوصول إليك فأوقفه الحاجب واخبرني بخبره وها أنا أخبرتك، (قال الراوي) فلما سمع الملك الهضام بذلك عظم عليه وقال: أو قد ذكرني محمد مع من ذكر، وعرض لي مثل ما عرض لغيري؟، أيظن إني كغيري من العرب وان الهي كسائر الآلهة، ثم أمر ببساط مجلسه فبسط وستوره علقت وبعث أكابر قومه فأقامهم حوله بالسلاح والنشاب(النبل واحدته نشابة، ج: نشاشيب ) وبأيديهم العمد والحرب، ولبس الملك تاجه المرصع باليواقيت والجواهر واظهر نعمته، وأقام ترجمانه بين يديه لأجل ما يبلغ الكلام إلى القاصد، ثم أمر بإحضار قاصد رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه، فتبادرت غلمانه وحجابه إلى جميل بن كثير فأتوا به أسرع من طرفة عين، وقالوا له: اجمع عقلك وبين فضلك وانظر لمن تخاطب واعلم من تكلم، ثم دخلوا به إلى أن وقف بين يديه.

رسول النبي للهضام

 فلما نظر جميل إلى مملكته وسلطانه وحجابه وغلمانه وتاجه الذي على رأسه، ويواقيته والقوم محدقون به إلتجم عن الكلام وتبلد عن السلام، فغضب الملك لذلك وعرف الغضب في وجهه، فاضطرب القوم لذلك وماج بعضهم ورفعوا العمد والسيوف وتوقوا خطاب الملك لكي يبادرهم بسوء، فنظر الترجمان إلى ذلك، وكان صاحب عقل وأدب وفضل، فقال للملك: اعلم أيها الملك أن هيبة المملكة ومرتبة السلطنة تلجم الناظر عن الكلام عن مقالته فى النظم حتى تدهشه عن السلام، (قال الراوي) فذهب عن الملك ما كان قال به، ثم قال الترجمان لجميل: إن الملك يقول لك ويلك من أنت؟، ومن أين أقبلت؟، وإلى من قصدك؟، ورسول من أنت؟، قال جميل ابن كثير: أنا رسول صاحب يثرب محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وقد حملني هذا الكتاب وأرسلني إليك لأطلب الجواب، ولا أطلب شرا ولا ضرا وقد أزعجني من هيبة الملك، فتبسم الملك الهضام ضاحكا وقال: هلم إلى بكتابك، فتقدم إليه جميل وناوله الكتاب، ففكه وقرأه وفهم مضمونه ومعناه وقهقه حتى كاد أن يقع على قفاه، (قال الراوي) ثم التفت الهضام إلى جميل وقال: يا ويلك صف لي هذا الغلام المذكور في الأرض(لاحظ أن الراوي جعله في البداية يغفل النبي محمد تماما ويسأل عن الإمام على بن أبى طالب، ولا يسأل عن النبي محمد ولا عن ديانته)، فقال جميل: أيها الملك إن الكفر أقبح بالعبد الدنئ فكيف بالسيد؟، فإن أحببت أن اصف لك فلي عليك شرطان، أحدهما إن وصفته لك فلا يكبر على الملك فيقتلني بغير ذنب وأنت أغنى الناس عن ذلك، والثاني أخاف أن أصف لك شأنه العظيم فيبلغ غيره فأكون كذابا، وأنا الآن أسالك أيها الملك: أن لا تسألني عن هذا السؤال فإني لا قدرة لي عليه، فقال الملك: إن قلت ما فيه على الحق فلا خوف عليك إن كنت صادقا، فقال جميل: أيها الملك إنه غلام موصوف بالشجاعة معروف بالبراعة، أخف من البرق إذا لمع وأسرع من الفهد إذا وثب حسن اليقين، (قال الراوي) فلما فرغ جميل من كلامه تبسم الهضام ضاحكا وقال: وحق زاجرات المنيع(الصنم الذي يعبده) لقد وصفت صاحبك وأحسنت في وصفه، فدع عنك هذا الكلام واقصر عن وصف هذا الغلام، واعمل في خلاص نفسك قبل حلولك في رمسك(قبرك، تجمع: رموس وأرماس) وقل لأي شئ اتبعت محمدا وأمنت به؟، فقال جميل: على أن ينقذني من النار ويدخلني الجنة التي هي دار القرار، فقال الهضام: ومتى يكون هذا الأمر؟، فقال جميل: إذا قامت القيامة وقامت الخلائق من التراب إلى الاجتماع في دار الحساب، فقال الهضام: قد أخبركم صاحبكم محمد أنكم تموتون وتصيرون رفاتا ويختلط اللحم هذا باللحم، والعظم هذا بالعظم، وتمضي عليكم الدهور والأعوام، ثم تعودون بأجساد وأرواح، ثم يكون بعد ذلك حساب وعقاب وجنة ونار؟، فقال له: نعم، قال له: وإلى أين هذه النار وهذه الجنة؟، قال: شئ لا يفنى ولا ينقضي فعجل يا ويلك بالعاجل ودع الأجل.

جنة المنيع وناره

 (قال الراوي) ثم التفت اللعين إلى بعض أولاده وكان اسمه ناقد وقال له: قم يا بني اكشف له عن الجنة والنار(حفرتان كبيرتان، وهما من صنيعة الملك الهضام) وخيره بين الدارين فإن اختار المقام في دار النعيم فدعه يأكل من فواكهها وثمارها، ثم أخذ ناقدا جميل وذهب به إلى الجنة وقد رأى جميع ما فيها ثم قال ناقد: اتبعني حتى اكشف لك عن دار هي أحسن من هذه، ثم أخرجه وعمد به إلى النار، وقد كان أرسل إلى العبيد الموكلين بها الذين سموهم الزبانية، فأمرهم بإضرامها وتقويتها، فلما أن قرب منها ناقد وجميل، قربه وأطلعه في درج عالي مبني من الرخام الملون حتى انتهى إلى أعلى الدرج، فقال ناقد لجميل: أتختار أي الدار أردت؟، فلما أشرف جميل على النار ونظر إلى قعرها وكثرة زفيرها قال: أبعدوني عنها وامضوا بي إلى الجنة، فلما دخل فيها جميل وتوسطها واستنشق ريحها وتصايحت به حورها، افتتن جميل واحتوى الشيطان على قلبه، فسلب الله تبارك وتعالى منه الإيمان ومال إلى ملتهم ورفض الإسلام، (قال الراوي) فعدل من ورائها جميل لعنة الله عليه إلى تلك الآلات والستور والآنية من الذهب والفضة فقال للجارية: لمن هذه؟، قالت: لك وأنا لك وجميع هذا لك حتى تمضي من وقته وساعته إلى الإله المنيع، فهو إلهنا الأعظم، فتخر له ساجدا وتقر له بالعبودية، فقال لها: حبا وكرامة أنا أسجد له مائة سجدة، ثم خرج جميل وناقد ابن الملك معه لأنه كان يوصي الحور العين أن يخاطبه ويقلن له ذلك.

ارتداد رسول النبى

 فلما خرج جميل قال ناقد: إلى أين تريد؟، قال: إلى الإله المنيع والرب الرفيع أسجد له وأقر له بالعبودية، فقال له ناقد: أفلحت يا هذا ونجحت، ثم أقبل ناقد راجعا إلى الصنم، فما زال كذلك حتى قرب من الأبواب وما زالوا كذلك حتى دخلوه فيها وهمت المتنعمون في الجنة أن يدخلوا معهم فمنعهم الحاجب من الدخول، فتصايحوا بناقد وقد قالوا له: دعنا ندخل إلى ربنا المنيع إلهنا السميع فننظر إلى معجزاته ودلائله وآياته؟، (قال الراوي) فأذن لهم ناقد بالدخول وهو أمامهم قابض على يد جميل لعنه الله، فمازال يدخل من باب إلى باب إلى أن دخل البيت الذي فيه الصنم، فنظر القناديل توقد بأطيب الادهان، ونظر الصنم معلقا في الهواء لا يرفعه عمود من تحته ولا علاقة من فوقه، فحار جميل واندهش وأعطاه ناقد خاتما من الحديد الصيني كبيرا، فأخذه جميل بيده وتقدم إلى الصنم، فلما شم الصنم رائحة المغناطيس جذبه بالقوة المركبة من الحديد، فلما نظر جميل إلى ذلك حار فعلم ناقد ذلك منه فقال: يا ويلك أسجد فإن الإله قد قربك إليه، فعند ذلك سجد جميل لعنه الله وسجد معه جميع القوم، فأقبل الشيطان اللعين الموكل بالصنم فدخل جوفه وجعل يهذي بكلام التضليل، (قال الراوي) فصاح به الخدم من كل جانب ومكان يقولون: يا جميل ابشر بالخير الجزيل، فقد جاد عليك المنيع بالكرم والتفضيل، وقد خرجت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك، فرفع رأسه ورفع الناس رؤوسهم، فلما فرغ تمسح القوم به تبركا وهنوه على ذلك وقبلوا يديه وكذلك ناقد، ولم يزالوا من حوله محدقين إلى أن وصلوه الجنة التي يزعمونها، فلما دخلها استقبلته صاحبته الطاغية بكأس من خمر وقالت له: خذ هذا الكأس فهو تمام الفرح وزوال العمر، ولم يبق بعد يومنا هذا ولا نصب، فتناول الكأس من يدها وتجرعه وأبعده الله تعالى عن بابه وطرده عن نبيه ونام مع صاحبته وكفر بالله العظيم، ثم آن ناقدا أتى إلى أبيه وأخبره بذلك، ففرح الهضام فرحا شديدا وقال: وحق المنيع لو وصل إلينا علي بن أبي طالب لفعلنا به مثل هذا، وكان يصير إلى ما صار إليه صاحبه وينسى ابن عمه، وهل يرى هذا النعيم والعيش السليم ويتباعد عنه؟، ومازال الملك في كفره وطغيانه.

صرخة الصنم

 قال: فلم يمض إلا يومان أو ثلاثة بعد أمر جميل والقوم في لهوهم وسرورهم والسدنة من حول الصنم، قد هجع القوم في بعض الليالي، إذ صرخ الصنم صرخة عظيمة فازدحم على الأبواب وقام الملك من على سريره وأولاده حواليه، فقال الملك لولده الأصغر: وكان اسمه غنام انظر يا بني المنيع، ولاشك انه وقع بنا أمر فانظر ما هذا الخبر؟، فمضى غنام ورجع وهو طائش العقل فقال: يا أبت انه صراخ المنيع ولاشك انه وقع أمر، فركب الملك من وقته وركب أولاده من حواليه، وسار بهم الملك حتى دخل الصنم بعد سكوته، فلما دخل عليه الملك صاح واضطرب ونطق الشيطان من جوفه ينشد ويقول: قد حل في ساحتكم ليث بطل ورمى شجعانكم كلا بالخيل هذا على قريب قد وصل فادهموه بالسيوف والنبل، ثم اقطعوا منه بعزمكم الأمل فهو لكم وفي يديكم قد حصل، (قال الراوي) وكانت هتفة الصنم قبل أن يصل الإمام إلى حصن الوجيه، حين قتل المغضب وخلص السائقة وردها وتعوق بعد ذلك حتى فتح الحصن، فلما سمع الملك من صنمه هذا الكلام قال: يا الهي ويا سيدي لا وقفته بين يديك ذليلا، ثم إن الملك التفت إلى ولده ناقد وكان أكبر أولاده فقال له: يا ناقد اسجد لإلهك فانك لعدوه قاصد وله قائد وعن قريب تأتي به حقيرا ذليلا، فخر ناقد ساجدا للصنم فسمع عنده ضاحكا واسبشار وفرحا وسرورا من الصنم: يا ناقد ارفع أمرك وأسرع بالاستعجال وجمع الأبطال وتأتي به في القيد والأغلال منسكا في أسوأ حال، فلما سمع ناقد قام مسرعا ووقف مع أبيه إلى منزله، فقال الملك: يا بني انك وافر العقل تام الفضل وان إلهك لا يحذر إلا من أمر عظيم، وهذا الغلام المذكور علي بن ابي طالب، وأنه قد شاعت بين العرب أخباره، وقد ظهر أنه فارس صنديد وقرم(سيد) عنيد، إلا أن إلهك وعدك النصر عليه، وأخبرك أنه وحيد فريد، فامض إليه وخذ من تختاره من قومك وعشيرتك، وأوصيك إذا لقيته فحذره من ناري وشوقه إلى جنتي، فإن ركن فجد بالعفو عليه، وابسط جناح الإحسان، وإن أبى فاغتنم انفراده بأنك آمن من ناصر ينصره ومعين يعينه، ولا شك انك تجده عند حصننا الأقصى وهو حصن الوجيه نازلا مع الرعيان.

ألف فارس لمحاربة الغلام

 (قال الراوي) فعند ذلك قام ناقد على قدميه، وجعل يخترق الصفوف ويتصفح وجوه الرجال وينتخب الأبطال واختار أن يأخذ من صناديد(الصنديد الشجاع) القوم ألف فارس، فلما لاح ضياء الفجر خرج ناقد وقومه وقد تزينوا بزينتهم المدخرة عندهم، ولبسوا فوق رؤوسهم التيجان المرصعة باليواقيت والجواهر المثمنة وركبوا الخيول العربية، وناقد بن الملك الهضام أكثر منهم زينة وله ذوائب تبلغ إلى مؤخرة سرجه، وهو مقلد بسيفين عن يمينه وعن شماله وبيده رمح خطي، فلما تكامل أصحابه وعزموا على المسير ركب أبوه يشيعه ويوصيه ويحرضه على الإمام رضي الله عنه إلى أن بعد عن الحصن، فرجع الملك إلى حصنه وصار ناقد وهو يجد المسير، فبينما هو سائر إذ لاحت غبرة عظيمة فتأملها وقال لقومه: ما تكون هذه الغبرة العظيمة؟، فقالوا: لعل أن تكون غبرة رمال أو ظباء شاردة أو زوابع عاقدة، فقال لهم ناقد: لو كانت كما تقولون لكانت منفرجة وهذه عقدة معنقدة، فتأملوها جميعا فقال بعضهم: وحق المنيع إن هو إلا جيش، وقال بعضهم غير ذلك، فتحير القوم من ذلك ووقفوا جميعا، فبينما القوم واقفون متحيرون إذا انكشف الغبار ولاحت الأسنة(أسنة الرماح) ولمعانها وهي تبرق كالبرق وكواكبها زاهية، فذهل القوم من ذلك ولم يعلموا انه جيش الإمام علي رضي الله عنه، وكان الإمام قد نظر من بعيد فقال لقومه: يا قوم ألا ترون ما أرى؟، فقالوا: يا ابن عم رسول الله ما ترى؟، قال: أرى جيشا كبيرا، فتأمل القوم فنظروا جيش ابن الملك، فقال: يا معشر المسلمين لا شك أن أصحاب الحصون قد بلغهم خبرنا، فهل منكم من يسرع إليهم فتقدم إليه جنبل بن ركيع، وقال له: يا مولاي أني لكلامك سامع ولأمرك طائع، أؤمرني بما تشاء وتختار فإني وحق ابن عمك محمد لا أخالف لك أمر، فجزاه الإمام على ذلك خير وقال له: أنت لها يا جنبل فأسرع إليهم، فان كانوا من أعدائنا فلا بأس أن تخدعهم بخديعتك، و أذكر لهم أنكم ظفرتم بي وأمسكتموني، وأنكم سائرون بي إلى الملك الهضام لتأخذوا منه الجزاء والإكرام، ثم قال له الإمام: بادر وفقك الله إلى مسيرك.

يهوى كالبرق

 فمشى جنبل ابن وكيع إلى أن قرب من جيش ابن الملك الهضام، فوجدهم قد جردوا السيوف وعزموا على القتال والحرب، فنظر جنبل إليهم وإذا هو ناقد بن الملك وكان أعرف الناس، وكان جنبل صاحب خديعة كثير المكر والحيل، فلما عرفه وتحققه وعرف انه ناقد بن الملك، ترجل جنبل عن جواده وأقبل يسعى على قدميه، فلما قرب من ناقد خر ساجدا لله تعالى، فلما نظر إليه ناقد عرفه وظن انه ساجد إليه فقال: يا جنبل ارفع رأسك فقال: يا مولاي عبدك و ابن أمتك، فقال ناقد: اركب جوادك فركب جواده، فقال له ناقد: يا بن وكيع ما وراءك؟، وما الذي بلغك من خبر هذا الغلام الكثير الانتقام علي بن ابي طالب؟، فقال جنبل: اسمع يا مولاي بينما نحن فى سرحنا وغنمنا على ما جرت عادتنا ونحن في الظل مجتمعون نرتع ونلعب، إذ حضر إلينا غلام من أعلى الوادي وهو يهوي كالبرق يهرول في مشيه ويوسع في خطواته، ثم اجتمع ووثب وثبة عدي النهر يثب كالأرنب ويخطو كالأسد، يقصر الليث عن وثبته في عظم خلقته وكبر جثته، كبير الساعدين بعيد ما بين المنكبين، فتحققناه وتقربنا منه وتصايح أهل الحصن، ونزل إليه سيدنا المنتقم فنازله في ميدان الحرب، فلم يزل به ومعه حتى عثرت رجله في حجر فوقع على وجهه، فترامت عليه الرجال والأبطال فأخذوه باقتدار أسيرا وملكوه، وصار في أيديهم حقيرا ذليلا، ثم كتفناه وحملناه بعد أن جندل منا جماعة كثيرة من الرجال والشجعان والأبطال، فاجمعنا على قتله فمنعنا من ذلك سيدنا المنتقم، وأمرنا بحمله إلى الملك المكرم ليحكم فيه بما شاء ويمضى فيه ما أمره المنيع الإله الرفيع، فلم نجسر أن نسير به إلا في عدة من الأبطال والرجال الفوارس، وهذا يا مولاي جملة أمرنا وغاية خبرنا، (قال الراوي) فلما سمع ناقد ذلك ما قاله جنبل تهلل وجهه فرحا وسرورا ثم قال وحق المنيع لقد فرحتم بهذا الغلام واستوجبتم فعلكم الإكرام، وما خرجت من مكاني لهذا الغلام الكثير الانتقام فحصل لكم بلا ملام، لكن يا جنبل ارعيني وصفك لهذا الغلام، فعد إلى قومك وأمرهم أن يسرعوا إلينا ويقدموا بهذا الغلام علينا، فعاد جنبل راجعا، وقال: يا أبا الحسن لقد أتيتك بطير سمين، وهو ابن الملك في ألف فارس، قال فسار الإمام حتى وصل إلى عسكرنا، فقال ناقد: وجبت لك البشارة يا جنبل، فأين هذا الغلام المسمى بعلي؟، فلم يتم كلامه حتى تقدم الإمام إلى ناقد وأسفر عن لثامه وقال له: ها أنا معدن المواهب، أنا المشهور في المناقب، أنا علي بن ابي طالب.

 

* مفكر وباحث مصرى

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.