تسجيل الدخول

حادثة شارلي إيبدو ..عندما يوظَّف الإعلام للتضليل

كل الوطن - فريق التحرير7 مارس 2015آخر تحديث : منذ 5 سنوات
حادثة شارلي إيبدو ..عندما يوظَّف الإعلام للتضليل

في كلّ مرّة يهتزّ فيها العالم الغربي على وقع حادثة إرهابية ينفّذها أشخاص من أصول عربية وإسلامية، تتعالى الأصوات الإعلامية الغربية في معظمها لتشويه الحقائق وفرض رسالة إعلامية موحّدة غير قابلة للنقد ولا للنقاش، حتّى وإن كانت على ضلالة مثلما هو الحال في الحادثة الهجوميّة الأخيرة التي مسّت الصحيفة الفرنسية الساخرة ”شارلي إيبدو“ .

بصدمة شديدة وعيون باكية استقبلت فرنسا وسائر الدول الغربية نبأ المجزرة التي مسّت بداية هذا العام صحيفة ”شارلي إيبدو“، والتي راح ضحيّتها 12 شخصاً بينهم صحافيّون ورسّامو كاريكاتور. وفور وقوع هذه الفاجعة، أوقفت مجمل الوسائل الإعلامية الفرنسية بثّ برامجها لذلك اليوم لتفسح المجال واسعاً أمام تغطية إخبارية مباشرة، ومن دون انقطاع، لتتبّع كلّ تطوّرات هذه العملية الإجرامية خطوة بخطوة.

وهكذا بدا المشهد واحداً ومماثلاً في مختلف القنوات الفرنسية التي تناولت الحدث منذ أوّل وقوعه. ولم تقتصر أوجه التشابه على إعادة عرض الصور والفيديوهات نفسها للعملية الهجوميّة على الصحيفة؛ فهذا أمر قد لا يُحسَب عليها لأنّ القنوات التلفزيونية بطبعها بحاجة إلى تدعيم أطروحاتها ورسالتها الإخبارية بمادة سمعيّة بصريّة؛ غير أن الخطير في الأمر هو أن توظِّف وسائل الإعلام هذا الحدث لتضليل الرأي العام أو لفرض رسالة موحّدة تخدم مصالح فئة معيّنة غير معلنة تريد استثمار مثل هذه المحن لغايات خاصّة.

يأتي الخبر كالفاجعة بالنسبة إلى العرب والمسلمين، وبخاصّة بالنسبة إلى المقيمين في فرنسا وفي معظم الدول الغربية. فمنفّذو الهجوم على صحيفة ”شارلي“ هُم من أصول جزائرية، الأمر الذي سيُترجَم لا محالة بتصاعد الوتيرة العدائية ضدّ الجالية العربية والإسلامية المقيمة في فرنسا.

وعوض أن تتحلّى مختلف الوسائل الإعلامية الفرنسية بالحياد والموضوعية في معالجة هذه الحادثة الأليمة التي واجهت استنكاراً واسعاً من قبل مختلف الهيئات والحكومات والدول الغربية والعربية والإسلامية، ظلّت بعض هذه الوسائل الإعلامية تمارس اللعب بالنار، وذلك من خلال تقديم رسالة إعلامية تحريضيّة توجّه فيها أصبع الاتهام إلى العرب والمسلمين، باعتبارهم سبب المشكلات الحاصلة في فرنسا وفي سائر الدول الغربية.

حدوث ما كانت تخشاه الجالية المسلمة

ما يُحسب على هذه الوسائل الإعلامية هو عدم اكتفائها، أثناء معالجتها الحدث الدموي، بتقديم الخبر كما هو، بل اتجاهها إلى الصيد في المياه العكرة، وذلك عبر تقديم تحليلات أقلّ ما يمكن أن يُقال فيها إنها عنصرية وإسلاموفوبية. وإلّا كيف نفسّر مضيّ هذه الوسائل، ولأيام طويلة بعد حدوث المجزرة، في التركيز على الانتماء الإسلامي لمنفّذي الهجوم وعلى أصولهم العربية فقط، أي الأخوين كواشي؟ وهذه كلّها ترويجات تبعث على الكراهية وعلى تأجيج الرغبة في الانتقام من المسلمين والعرب على حدّ سواء.

ليس هذا مجرّد استنتاج و إنما هو أمر واقعي حدث بالفعل. ففي تصريح أدلى به لجريدة ”الشروق“ اليوميّة (الخميس 12 /1 /2015)، أكّد رئيس ”المرصد الفرنسي لمكافحة الإسلاموفوبيا“ السيّد عبد الله زكري أن خلال أربعة أيام فقط من شهر يناير(كانون الثاني)، سُجّل قرابة 60 عملاً عدائيّاً طالت المقدّسات الإسلامية والمساجد، وهذا من دون احتساب الأعمال العدائيّة الفرديّة التي طالت مواطنين من الجالية الإسلامية. وعليه، طالب المتحدّثُ الدولَ العربية والإسلاميةَ برفع صوتها لوضع حدّ لهذه الممارسات.

وهكذا حدث ما كانت تخشاه الجالية المسلمة، وتمّ الخلط بين الإسلام والإرهاب بمعيّة مثقّفين فرنسيّين أسهموا في تكريس الإسلاموفوبيا في مختلف القنوات الفرنسية التي أعطتهم فرصة الظهور والتعبير أثناء معالجتها مجزرة ”شارلي إيبدو“.

في الحقيقة، لا اندهاش من أن يتبنّى هؤلاء الإسلاموفوبيّون لغة هؤلاء المثقّفين المعادية للإسلام. فهم معروفون عند العام والخاص بخطاباتهم المعادية للعرب والمسلمين، لكن اللوم والعتاب يوجَّه لكلّ القنوات الفرنسية التي تعمّدت منحهم الفرصة لتمرير رسالتهم العدائيّة. وهكذا توافد على البلاتوهات والاستوديوهات الإذاعية والتلفزيونية الفرنسية نخبةٌ من المثقّفين الفرنسيين الذين يمثّلون تيار التخويف من الإسلام وأدبياته، من بينهم فيليب تايزون وإريك زمور وإليزابيت ليفي وإيفان بوفول وباسكال بروكنير وألكسندر أدلير وغيرهم ممّن يمثّلون اللوبي الصهيوني واليمين المتطرّف.

عبر أمواج أثير ”أوروبا1“ تجرّأ الإعلامي الفرنسي فيليب تايزون على طعن العرب المقيمين في أوروبا متهماً إياهم بتصدير ما أسماه ”القرف إلى أوروبا“ و قال صراحةً ”من أين بدأت المشكلة؟ بالتأكيد ليس من الفرنسيين؛ إنهم المسلمون الذين يجلبون القرف إلى فرنسا اليوم“.

وعبر مختلف المنابر الإعلامية التي أتاحت له فرصة التعبير عن آرائه العدائيّة تجاه العرب والمسلمين، استخدم الكاتب الفرنسي الشهير اليهودي الأصل برنارد هنري ليفي لغةً أقلّ تجريحاً لكن ذات رسالة واحدة بقوله إن ”لا تعايش مع العرب والمسلمين لأنّهم مصدر العنف والتقتيل“، مستدلّاً على ذلك بمختلف المنظّمات الإرهابية التي يقودها عرب ومسلمون.

إيريك زمور كاتب فرنسي اشتهر هو الآخر بعدائه الشديد للعرب والمسلمين، وقد وجد في أحداث ”شارلي إيبدو“ فرصة سانحة لاستثمار هذه الأزمة ولتمرير رسالته العدائيّة. ونظراً للهجته الحادّة اضطرت القناة الفرنسية ”24-i“ لطرده ومنعه من الظهور مجدّداً على بلاتوهاتها بسبب خطاباته التي وصفتها بالعنصرية. وهو موقف لم تتخذه القناة العمومية ”فرانس2“ نموذجاً لها، بل أبقت الباب مفتوحاً على مصراعيه لهذا اليميني المتطرّف، تاركةً له حرّية التعبير، وبشكل دائم، عبر برنامج مسائي يستقطب الملايين من المشاهدين، وهو برنامج ”.on n’est pas couché“

ومن أخطر تصريحات إيريك زمور على هذا المنبر الإعلامي تأكيده استحالة تعايش العرب مع الفرنسيّين، وأن هذا سيؤدّي لا محالة إلى حرب أهلية.

ومن التجاوزات الخطيرة لقناة ”فرانس2“ استهتارها بمشاعر 6 ملايين مسلم مقيم في فرنسا، من خلال عرضها ليلة 11 كانون الثاني(يناير) الماضي لقطة فكاهية للبلجيكية شارلين، تجرّأت فيها على إجراء حوار افتراضي مع الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام لإبداء رأيه في قضية ”شارلي إيبدو“.

مزحةٌ باردةٌ وبائسةٌ لا تُحسب على الفكاهيّة بقدر ما تُحسب على القناة التي سمحت لها بالظهور باسم حرّية التعبير. هذه الحرّية التي تمادت في ممارستها الصحيفة الساخرة ”شارلي إيبدو“ ما جعلها تتطاول على نبيّنا الكريم من خلال تجسيد صورته في رسوم كاريكاتورية ساخرة سنة 2006. وعلى الرغم من السخط والتنديد الذي تعرّضت له منذ ذلك الحين، لم تتوقّف هذه الصحيفة عن استفزازاتها باسم حرّية التعبير.

السؤال المطروح هو لماذا طردت الصحيفة سنة 2009 الكاريكاتوري ”ساين“ عندما تجرّأ، من خلال رسم كاريكاتوري،على التهكّم من الديانة اليهودية لابن الرئيس ساركوزي آنذاك؟ أليس هذا حدّ من حرّية التعبير أم أن حرّية التعبير ليست للجميع؟

الخطير في الأمر أن مجمل وسائل الإعلام الفرنسية اتحدت في مجملها بعد أحداث شارلي لتوجيه الرأي العام ولفرض رسالة موحّدة حتّى وإن لم تتفق مع مبادئ الجميع. فباسم الدفاع عن حرّية التعبير، تبنّت هذه الوسائل الإعلامية إذاً شعار ”أنا شارلي“ وفرضته على الجميع حتّى على العرب المسلمين الذين أصبحوا من المنبوذين لعدم امتثالهم لهذا الشعار. ومن ضمن هؤلاء المفكّر والفيلسوف العربي طارق رمضان الذي رفضت مختلف وسائل الاعلام الفرنسية استضافته لمجرّد أنه قال ”أندّد بالعملية الهجومية لكنّني لست شارلي“.

وهكذا مالت مختلف وسائل الإعلام الفرنسية عن دورها الأساسي في إعلام الآخر. ولم تحاول في المقابل تقييد هذا الدور بأحكام أو برسالة موحّدة تفرض على هذا الإعلام التحكّم في سلوكه، وذلك تحت ستارٍ من الشعارات الزائفة التي لا أساس لها من الصحّة، وليس لها من تطبيق فعلي على أرض الواقع، مثل الشعارات المنادية بحرّية التعبير المطلقة وما شابه. في حين أن أبجديات علوم الإعلام والاتصال، وكما هو معروف، تشير إلى استحالة وجود حرّية مطلقة للتعبير. فالسلوك المهني لأيّ إعلامي تحكمه أخلاقيات ومبادئ تلزمه التحلّي بها في تعاملاته المهنيّة. ويبقى دور وسائل الإعلام مقتصراً على الاكتفاء بتقديم إعلام صادق وموضوعي بعيد عن كلّ أساليب التحريض أو التجريح.

إعلامية وباحثة أكاديمية – جامعة الجزائر*

كلمات دليلية
رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.