الأسوأ مما هو أسوأ

كل الوطن - فريق التحرير
كتاب وأقلام
كل الوطن - فريق التحرير16 أكتوبر 2015آخر تحديث : الجمعة 16 أكتوبر 2015 - 7:26 مساءً
الأسوأ مما هو أسوأ

كتبتُ منذ زمن بعيد، ولا أزال أكتب عن الوضع العربي المزري.. وعن مواجعه وفواجعه.. وعن تلك الكوابيس الجاثمة على قلبه وروحه… وقد كنت آمل أن أمور وأحوال هذا العالم سوف تتبدل وتتغير مع مرور الايام، لأنه من البدهي أن الخطر إذا أحدق بأمة، أية أمة فهو نذيرٌ يدعوها الى أن تستيقظ من غفلتها وتصحو من سباتها، وتهب لحماية نفسها.. بيد أن الايام تمر والعرب ينتقلون من فشلٍ الى فشل.. وينحدرون من السيئ إلى الذي هو أسوأ، حتى ليخيل اليك أنه لم يعد هناك أسوأ من هذا الأسوأ..!.
فهل يا ترى أننا وصلنا نقطة نهاية السوء.. وأن العرب سوف يحزمون أمورهم ويلتفتون الى واقعهم المرّ الاليم.. هذا هو ما أرجوه ويرجوه كل وطنيٍ مخلصٍ غيور.. أم أنهم سيظلون يتخبطون في ضلالتهم وعمايتهم فينحدرون إلى مزيدٍ من التبعثر، والتشتت، والضياع..؟
لست أدري ولكنني سبق أن قلت بأن العرب يعيشون أسوأ حالات التخبط والفوضى، والضياع، فهم لا يدرون ماذا يفعلون، ولا يعرفون أين يذهبون، ولم يعودوا يصدقون أو يكذبون شيئاً، وإنما هم مذعنون يدفعهم تيار أهوج إلى ما هو أشد هوجاً، فيندفعون معه، وقد انتقض عليهم حبل إرادتهم، وأصبح أمرهم عليهم غمة.. فهم يصبحون على رأي، ويمسون على رأي، ويستيقظون على لا شيء..! إلا ما تفرضه عليهم أوامر ونواهي واقعهم المؤلم المُر النكد وكأنهم قد أسلموا زمام حياتهم إلى سلسلة كوابيس مستحيلة النهاية.. فتراهم يُجزرون في مواقع كثيرة. تسيل دماؤهم، وتمزق أوصالهم، وتُحتل أراضيهم، وتستلب خيراتهم، ويعبث بمقدراتهم، ويتحكم في أقدارهم.. ويتجرعون ما يتجرعون من الإهانة والأذى فيجرجرون في سراديب السياسة وأوهام الإعلام، وصوالين التدليس الفكري وهم في صبر العاجزين وذلة المستصغرين..!
ولو سألت ما الذي سيفعلونه لمواجهة كل هذا الحيف والجور الواقع عليهم، لما أجابوك عن شيء فكلّ مشغول بنفسه يتوجس خيفة مما يخبئه له غده.. خوفاً من قدر يكتسح أمامه كل حلم وطمأنينة..
هذا بكل وضوح وانكشاف وبلا مكابرة أو مواربة هو واقع العرب.. أما لماذا فتلك حكاية أخرى سيظل الجدل حولها قائماً إلى يوم يبعثون.. فهم رغماً عن ذلك كله لم يتمكنوا من تحديد مرضهم، ولم يتعرفوا بعد على أسباب مشكلاتهم.. كل يصرخ بأعلى صوته مدعياً أنه يعرف السبب، وأنه لولا كذا ولولا كذا لما وقع لنا ما وقع.. ولو سألت أعظمهم عبقرية سياسية لما أجابك عن سبب ما حدث سابقاً، وما يحدث الآن، وما الذي سيحدث غداً.. والحقيقة أنهم مثلما هم ضعفاء عاجزون أمام التحديات وأمام قسوة أعدائهم، فإنهم عاجزون وقاصرون عن تحديد أسباب وهنهم، وضعفهم، وتداعي الأمم عليهم.. ولا أظن أن الأمر من الغموض والخفاء والاستتار أعظم أو أشد من أن يُعرف. فالبهائم تَستَكنه الخطر وتعرف دلائله فتتحاشى الوقوع فيه.. أما هم فلديهم ولع عجيب بالتخرص، والتكهن، وكثرة الجدل، والمصارعات الكلامية..!
انظروا إلى بعض مثقفيهم في كتاباتهم المنحرفة الشاذة وفي قنواتهم الفضائية وانظروا إلى هذا الهياج والضجيج والجعجعة والملاكمات اللفظية، بل انظروا إلى كثرة البذخ والكرم في الشتائم.. وإلى ما يتمتعون به من لياقة عالية في الصراخ والزعيق، فهم لا يمتلكون من أمرهم شيئاً إلا أن يتهم بعضهم بعضاً ويشتم بعضهم الآخر.. وحواراتهم لا ينقصها إلا المزيد من التناوش بالأيدي، والرفس بالأرجل.. والسبب أن كلاً يرى أنه على حق، وأنه يعرف العلة وأنه الوحيد القادر على تحديد الداء ومعرفة الدواء..
أمام كل هذا الارتباك والتهويم تبقى هناك حقيقة ثابتة وهو أنك في النهاية تصغي إلى مهزلة جدلية لا تليق بالمعتوهين..!
الغريب أن هذا يتم أمام حقائق ماثلة، ودلائل صارخة لا تحتاج إلى كثير فطنة وعظيم حكمة لتحديد القاتل، أو المغتصب، وسفاك الدماء، فأنّات الجرحى، وصرخات الثكالى، وجلبة الدبابات والطائرات الغربية والشرقية الصنع، تدك أرضهم وتذبح أهلهم، لدرجة تحرك النخوة في الصنم..! وتعيد المعتوه إلى رشده.. لكنهم يأبون إلا أن يكونوا كذلك.. يتخبطون في سياساتهم، يتخبطون في حواراتهم، يتخبطون في معارفهم، يتخبطون، في تحديد عدوهم.. يتخبطون في تحديد غدهم.. في نهج حياتهم في الفكر والمعتقد.. يتخبطون في صحوهم، وفي نومهم، وحلمهم..
**اليوم يا ترى ماذا سيقولون بعد أن تخلى عنهم الغرب الذي عبث بهم طويلاً، فدمرهم ومزقهم وفككهم ثم نفض يده منهم..! ماذا سيفعلون إزاء التحالف السداسي الأسود ضد سورية..؟ ماذا سيقولون عن صواريخ الروس الجبارة العاتية، وقنابلهم العنقودية الجهنمية، التي تمزق وتحرق وتشوي لحوم الأطفال في أبشع مذابح الحقد الجنوني، الذي يهتك شرف العدل والحق الإنساني أمام البشرية جمعاء..؟
نعم ماذا سيقولون عن الحرب الروسية الكنسية “المقدسة” على بلاد الشام..؟ المبكي والمفجع أن هناك بعضاً من المتصهينين والأذناب يتفاخر من أنه يؤيد هذا الإجرام، في كثيرٍ من الزهو والتباهي بهذا العار والخزي والحقد الاسود الملعون..! ويسأل المرء العاقل نفسه: أي دمٍ شيطاني يسيل في عروق هؤلاء..؟ بل أية نذالة وخسة تسري في أرواحهم العفنة النتنة..؟
وبعد فيا أيها السادة: هل هناك أسوأ من هذا الأسوأ..؟!
..
الرياض

كلمات دليلية
رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.