الانتخابات والدين فى العالم العربى

كل الوطن - فريق التحرير
2016-05-02T15:59:43+03:00
بالفارسي الفصيحكتاب وأقلام
كل الوطن - فريق التحرير28 أكتوبر 2015آخر تحديث : الإثنين 2 مايو 2016 - 3:59 مساءً
الانتخابات والدين فى العالم العربى

الانتخاب لغة هو الاختيار بين بدائل وفقا لمعايير معينة وقد اعتمدت النظرية الديمقراطية الانتخاب بعد ان استحال التمثيل المباشر فى المجالس الديمقراطية فى الحضارة اليونانية القديمة فصارت المجالس نيابية أى تمثيلية. ولذلك يحرص الغرب الديمقراطى على حماية حق الناخب بالعلم والمعرفة الكافية على هذا الاختيار وألا يتدخل مطلقا فى اختياره كما يحرص على أن يقدم المرشح الذى يستوفى شروط الترشيح وفقا للقانون، فتكون الدولة مسؤولة عن حق الناس فى الترشح متى توفرت الشروط وحق الناس فى الانتخاب وفقا للقانون فيصبح المجلس المنخب ممثلا حقيقيا لعموم المجتمع بمن فيهم الذين انتخبوا ممثلا آخر لم يقدر له النجاح وكذلك من لم تتح له أن يدلى بصوته أما لصغر سنه أو لموانع آخرى، فالنائب يمثل الأمة بأسرها.
وإذا كان سلوك الناخب والمرشح حرا فى حدود القانون، فإن اقبال الناس على الانتخاب وعلى الترشيح هو ممارسة لحق وليس التزاما بواجب،,وفقا للقانون المصري ولا تاخذ بنظرية التصويت القسري سوي عشر دول وولاية هندية واحد الكانتونات السويسرية. ويبدو أننا لابد أن نراقب أحوال المجتمع لإرشاده إلى المناهج الصحيحة خصوصا إذا تصدى لهذه المهمة المريبة نفر من رجال القانون والقضاء إما جهلا وأما انصياعا لاوامر الحكام ومجاملة لهم ومساهمة طوعية فى خداع الناس.
واستخدام الدين فى الانتخابات فى العالم العربى هو فى نفس مرتبة وظيفة الانتخابات فى العالم العربى، فالانتخابات لها وظيفة محددة وهى اضفاء الشرعية على المجالس التى يشكلها الحكام، إما عن طريق الزبانية أو عن طريق الذين يطمحون إلى أن يكونوا جزءا من السلطة، ولذلك تكون المجالس النيابية فى أغلب الاحوال نيابية بالاسم ولا تجرؤ على معارضة الحاكم، بل انها تنوب عن المعارضة غير النيابية، وغير الحزبية إذا كانت هناك أحزاب. وهذا يمكن ان يكون مقبولا فى السياق السياسى إذا كان النظام فعالا لصالح الوطن.
و الأمثلة التى لا تزال حية فى الأذهان كثيرة. فعندما اجريت الانتخابات العراقية عام 2005 فى ظل دستور وضعه الاحتلال الأمريكى فى سياق خططه الكبرى التى وضعها تمهيدا للاحتلال نفسه وهى افهام الشيعة بانهم همشوا وظلموا بسبب السنة رغم أنهم الاغلبية وأن الاحتلال الأمريكى جاء خصيصا لكى ينصفهم من جلاديهم، فاشاع فى الشيعة روح الانتقام من السنة خصوصا وأن هذه النظرية تم تطبيقها على صدام حسين، رغم أنه لم يؤمن بالطائفية، وكان طاغية فى نظر السنة والشيعة ومعتديا على إيران فى نظر الشيعة وبطلا للعروبة والقومية فى نظر السنة. وهكذا دخلت دول الخليج على الخط سواء فى دعم صدام حسين باعتباره مناهضا لايران ثم دعمه بصفته سنيا ضد الشيعة، فلفتوا نظر إيران إلى خطر العراق، كما لفتوا نظر الشيعة إلى مخاطر الدكتاتورية “السنية”، فصارت صورة الشيعة أنهم الأكثرية المغلوبة على أمرها فى مواجهة السنة ويمثلهم صدام حسين “الدكتاتور”، كما صار العراق هدفا لإيران بالاستعانة بالورقة الشيعية. وهكذا صار أية الله السستانى فى العراق قبلة دينية وسياسية للشيعة. وكانت الخطة تقضى بأن يتعاون الشيعة مع الاحتلال الأمريكى فى ضوء الهدف الذى أعلنه لتخليصهم من هيمنة السنة وأن يكونوا عينا على المقاومة السنية لهذا الاحتلال، وكان السنة يرون مع كثير من المراقبين وكنت من بينهم أن الدستور الأمريكى والانتخابات الأمريكية هدفها أن يرتب الاحتلال أوضاعا ويكرسها. لذلك ناشد أية الله السستانى العراقيين بأن يتجهوا إلى التصويت لأنه واجب دينى مع العلم أن القرآن والسنة لم يرد فيهما قصة الانتخابات ولكن الهوى السياسى للزعيم الفاضل المسموع فى العراق ساق الدين لكى يجمل قبح السياسة.
وأرجو أن يفهم كلامى فى الاطار السياسى والتحليلى ولا يقصد مطلقا الانتقاص من أحد، ولكن غيرتى على الدين بكل أطيافه ومذاهبه هى التى دفعتنى إلى بيان افساد السياسة للدين واضعاف سلطته فى النفوس وأن للمشايخ دورا فى ذلك .
فى الانتخابات المصرية التى جرت طوال القرن العشرين خاصة النصف الأول منه فى العصر الملكى كان التنافس السياسى هو أساس الانتخاب بين المرشحين وكانت سمعة الحزب هى التى تسوق للمرشح حتى بلغ الأمر أن قال حزب الوفد أنه لو رشح حجرا لانتخبه الناس، لثقة الناس فى أن الحزب لن يرشح إلا من كان حائزا للثقة والتوصية للناخب من جانب الحزب لأن المرشح عنوان الحزب. ومعلوم أن الناخب ينتخب المرشح أما لسمعة الحزب وأما لفضائل فى شخص المرشح حتى لو لم يحالفه النجاح، لأن الرهان على سمعة الحزب قد تأتى بشخصيات لا تفيد المجتمع، كما أن سطوة الحزب المالية أو السياسية وتربيطاته يمكن أن تنطوى على تزوير معنوى أفدح من التزوير المادى، ولذلك نرى الاحزاب الكبرى فى أوروبا تتراجع أمام أحزاب جديدة لمجرد أن الشخصيات المرشحة فيها تبشر بتحقيق آمال الأجيال الجديدة، على أساس أن النظام السياسى نفسه يسمح بذلك ويشجع عليه وأبرز الأمثلة الحالية فى اليونان وفى بريطانيا وفى كندا حيث نجح شباب يسارى يعكس تركيبة المجتمع الجديدة بعد أن مل الناس الكبار الذين استنفدوا كل مالديهم من عطاء.
ولم نسمع مطلقا أن الكنيسة أو المرشحين فى أوروبا استعانوا بالانجيل وبتعاليمه حتى يدخلوا الرهبة فى نفوس الناخبين فيقبلون ما لم يكن مقبولا لو كان الناخب حرا. بل أننى واثق من أن الكنيسة أو أى مرشح فى أوروبا لو استعان بالدين لاصبح اعجوبة المجتمع ومحط احتقاره إلى أجل غير معروف. ذلك أنهم يعلمون جيدا أن الدين الحق هو حرية الفرد فى الاختيار وأنه أيضا هو أمانة المرشح فى ألا يضع المساحيق على وجهه أو أن يستعين بالسلطة، وعندما نصل إلى هذا الحد يمكن أن ندعى بأن أحوالنا طيبة. فما بالنا بالمشايخ الذين أساؤوا إلى الأزهر وإلى الدين وإلى أنفسهم عندما انضموا إلى السلطة فى تخويف الناس من عقاب الله لهم فى الأخرة واستخدموا سلطة الدين فى نفوس الشعب الذى لم يتعمق فيه لكى يقوموا بحملة تدليس وتلبيس مع السلطة عليهم، حيث تنذرهم السلطة بالغرامة، وينذرهم المشايخ بعذاب أليم. والطريف أن المشايخ فصلوا وأجادوا فى فضح أنفسهم وجهلهم بالدين الذى يتعيشون عليه ولا يتورعون بأن يتاجروا فيه ليأخذوا عرض الحياة الدنيا وما لهم فى الأخرة من خلاق. قال المشايخ وبعضهم كان صديقا احسنت الظن به أن من يعزف عن التصويت أثم قلبه وكاتم للشهادة، وبالغ بعضهم فقال أنه أيضا كافر، بل ان بعضهم تطوع فأخرج مرشحى حزب النور من الملة ظنا منه أن السلطة تريد أن تعصف كلية بالتيار الإسلامى حتى الفرع الذى كان يطمح إلى أن يمثل كل التيارات الإسلامية فى غياب الإخوان المسلمين.
وأملى أن تدرك كل التيارات الإسلامية أن الأوضاع فى مصر تجبرهم وتلزمهم بأن يتجهوا لخدمة المجتمع وليس طلب السلطة، فيوجهون طاقتهم الخيرية إلى المحتاجين وهم يتزايدون وإلى الشباب وبعضهم ضاق بالاسلام من فرط ما صور له من الإسلاميين، ولكن الإسلاميين عندما أتجهوا إلى السلطة ظنوا أنهم مواطنون عاديون، يجوز عليهم ما يجوز على المواطن العادى من الخطأ والصواب، وهم لا يدركون تعقيدات الموقف فى مصر فكانت النتيجة وبالا عليهم وعلى مصر والمجتمع وعلى السلطة.
فنصيحتى للمشايخ وللتيارات الإسلامية المنطلقة من مرجعيات دينية أن يركزوا على ثقافة الدين وحاجات المجتمع، لأن فساد الحكام سببه فساد المجتمع، مصداقا لحديث الرسول الكريم “كما تكونوا يول عليكم”. ونريد أن نكون أفضل من ذلك حتى يتولى علينا افضلنا.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.