تسجيل الدخول

د حسام عقل : دراما رمضان .. خلطة الجهل و التحريض!

2018-06-02T22:38:05+03:00
2019-05-05T21:47:56+03:00
رمضانياتكتاب وأقلام
كل الوطن- فريق التحرير2 يونيو 2018آخر تحديث : منذ سنتين
د حسام عقل : دراما رمضان .. خلطة الجهل و التحريض!

لم يتمكن أي جيل فني من الإساءة إلى فن ” الدراما التليفزيونية ” في مصر ، كما تمكن الجيل الراهن من خلال العروض ( الكارثية ) الموغلة في الانحطاط و التحريض ، أعني العروض الدميمة المتمرغة في القبح ، التي نراها في دراما هذا الموسم ، و لم يتمكن مجموعة من الفنانين و المخرجين و الفنيين ، من محو لحظات التألق و العز ل ” أدب التمثيلية التليفزيونية ” الذي كانت بلادنا تباهي به يوما ً ، كما تمكن هذا الجيل الفني الضحل ” المسيس ” حتى العظام ، و المدفوع لمباشرة هذا ( العك ) مقطوع الصلة بالفن أو حتى المنطق ، بأوامر مباشرة بطريقة مفضوحة تماما ً ، أثرت على الأطقم الفنية المشاركة في المسلسلات ، و دفعت بها _ تحت ضغط الأوامر _ إلى ( العجلة و الاستسهال ) لتمرير ” الرسالة المطلوبة ” بأي ثمن ، و كأنها تخاطب بلهاء ألغوا عقولهم ، ووضح لكل ذي عينين ، ان الدراما هذه المرة ، جاءت جزءا ً عضويا ً من ( الإعلام التعبوي ) ، الذي يكرس ذات الرسالة الإعلامية العامة بصب أطنان من التحريض و الاستباحة و إيغار الصدور ، دون تحسب للنتائج الخطيرة لهذه الرسائل الفنية _ أو بالأدق ” غير الفنية ” _ الملغومة !

لا يعرف الذين دخلوا الأستوديوهات هذا العام ، لتصدير هذه اللوحات الشائهة ، و الغذاء الفكري و الفني المسموم ، أن مصر تحمل على كتفها كالشارة الراقية ، رصيدا ً من أدب الدراما التليفزيونية ، هو الأعرق في المنطقة العربية _ بل و العالم الثالث _ حيث يمتد هذا الرصيد إلى عام 1960 ، حين ظهر الشريط رقم ( 1 ) لأول تمثيلية تليفزيونية في مصر و العالم العربي ، بعنوان : ” جهاز المعلم شحاته ” ، و كانت من اللون الاجتماعي المحبب للجميع ، و منذ هذا التاريخ ، توالت المسلسلات و السباعيات و السهرات التليفزيونية ، فضلا ً عن المسرحيات التليفزيونية ، بعد أن تأسس في حاضنة التليفزيون ست فرق مسرحية ، و شكلت هذه الوجبة الدرامية الرفيعة ، مائدة اجتماعية شعبية للمصريين ، يتحلق حولها الجميع في المواسم و غير المواسم ، كما شكلت هذه الوجبة الفنية نفسها ، الجزء الأكبر من ( القوة الناعمة ) المصرية ، التي صاغت الوجدان العربي ، و تماهت مع أشواقه و طموحاته ، و كانت _ بحق _ نافذة للثقافة الرفيعة ، و القضية الهادفة ، و ترجمانا ً حقا ً للوجع المصري و العربي ، الذي لم يكف عن التغني بأنشودة الحريات و العدالة الاجتماعية . و في قاطرة الأمجاد الرفيعة للدراما التليفزيونية ، مر الرائعون : ” عبد المنعم الصاوي ” و ” محفوظ عبد الرحمن ” و ” صفاء عامر ” و ” محمد جلال عبد القوي ” ، حيث وصلت رحلة القاطرة ذروة تألقها مع أمير الدراما التليفزيونية الراحل ” أسامة أنور عكاشة ” ( 1941 _ 2010 ) ، الذي تحولت الدراما التليفزيونية _ على يديه _ إلى نص مرئي مهني ، مفعم بالبهاء و الجمال ، مكلل بعشرات الرسائل الحضارية و الوطنية الرفيعة ، منذ دفع إلى الشاشة بعمله الأول ” سباعية الإنسان و الحقيقة ” ، مرورا ً ب ” الشهد و الدموع ” و ” رحلة أبو العلا البشري ” و ” عصفو النار ” و ” المشربية ” و ” زيزينيا ” ، ووصولا ً إلى ” ليالي الحلمية ” ، بأجزائها الخمسة ، و قد تحولت في الوجدان المصري إلى ملحمة متكاملة ، ترصد التاريخ و التحولات الاجتماعية و السياسية و الفكرية ، برهافة و قوة و حس وطني / عربي ، فبدت الشوارع المصرية و العربية ، خالية تماما ً من المارة في أوقات عرض دراما عكاشة ، و هو استفتاء حقيقي على الروعة و القيمة و التماهي الكامل مع الوجدان الشعبي المسكون بالطموحات و الأوجاع , و لا عجب أن يقول ” عكاشة ” عن الدراما التليفزيونية ، و هو الذي هجر حياة الوظيفة تماما ً و تفرغ للدراما منذ عام 1982 : هي ( أي الدراما ) ” .. بحر التجربة الإنسانية الذي لا تحده شواطيء .. ! ” و لا جدال أن رصيد عكاشة ، الأجمل و الأضخم ، هو الذي دفع بأمير الرواية العربية ” نجيب محفوظ ” أن يصف دراما عكاشة ب ” العمق و الشمول ” . و لا أدري موقف ” محفوظ ” ، لو امتد به العمر ، و رأى هذه الفواصل الراهنة المنتسبة زورا ً إلى ” فن الدراما ” ، و المخلوطة بكل أشكال الاستهتار والقبح و العفن الفني و الأخلاقي ؟!

عرض حتى الآن أربعة و عشرون عملا ً دراميا ً _ هكذا يفترض ! _ بعد أن خرج بشكل مفاجيء من السباق قبل رمضان بساعات خمسة أعمال درامية ، لا ندري أسباب استبعادها ، و هل كانت هذه الأسباب رقابية أم سياسية أم فنية لضعف النصوص ؟! لكن المعروض حتى الآن ، و بعد الحلقات الأولى ينذر بكارثة فنية و أخلاقية ، متكاملة الأبعاد ، و كان البطل الحقيقي في معظم الأعمال ، ما يسمى ب ” أخطاء الراكور ” حيث بدا الفنيون و المخرجون ، و كأنهم يعانون من غيبوبة ، و مثالا ً للغيبوبة و الحماقة الفنية ، رأينا في مسلسل ” بالحجم العائلي ” الممثل ” يحيى الفخراني ” و هو ينتظر أحفاده في الفندق ( دون لحية ) و عندما خرج ليصافحهم بعد دقائق الانتظار ، عانقهم و قد بدت على وجهه ” لحية بيضاء ” كبيرة ! ( متى نبتت ؟! ) و في مسلسل : ” أبو عمر المصري ” سبق الصوت الصورة في خطأ تقني فاضح في مشهد اليخوت البحرية ! و يترسخ انطباع الجهل التاريخي ، حين يعرض المسلسل أحداثا ً ( تسعينية ) ، و يجري الحديث في هذه الأجواء التسعينية عن ” حادث مركز التجارة العالمي ” ( الذي وقع عام 2001 ) ! و في مسلسل ” رحيم ” ظهر الممثل ” ياسر جلال ” ، عقب خروجه من السجن ، و كان واضحا ً _ حتى للكفيف ! _ أنه تم تركيب لحية إضافية تدلت من لحيته النابتة ، بشكل لا يخطيء فيه تلميذ صغير ، و لا أقول ” فني محترف ” ! و في مسلسل ” كلبش 2 ” ظهر الممثل ” أمير كرارة ” و هو يمسك السلاح بطريقة مضحكة و مقلوبة و خاطئة تماما ً ، و يفترض أنه من ” العمليات الخاصة ” ! كما ظهرت زوجة ” سليم الأنصاري ” في العمل نفسه ، و هي حامل ، و قد امتدت بطنها إلى الأمام عشرة أمتار _ بماكياج مضحك حد البكاء _ حتى علق أحد الظرفاء قائلا ً : ” .. ربما كانت حاملا ً في ديناصور ! ..” و صور المسلسل الفيوم العظيمة ، و كأنها ” مجموعة قبائل ” ! ! و في مسلسل ” عوالم خفية ” بطولة الفنان ” عادل إمام ” ، ظهرت أمام الكاميرا _ بتقريب الصورة جدا ً _ نسخة من صحيفة ” الأهرام ” و قد كتب عليها : ” تأسست عام 2010 ..” ! ! ” الأهرام تأسست عام 2010 أيها المفكرون النابهون ؟! أما ” المسخرة ” الحقيقية ، المهينة لكل تاريخ مصر الفني ، فهي مسلسل : ” نسر الصعيد ” ، ففي مشهد هش يظهر الممثل ” محمد رمضان ” بثلاث حسنات على وجهه ، و في مشهد آخر تظهر نفس الشخصية له ب ” حسنة واحدة ” و كأن المشاهد فاقد الذاكرة ، أو يمتلك ذاكرة سمك ! أما مسخرة المساخر ، فكانت مشهد قفزه في الماء من أعلى الكوبري ، حيث بدا الطريق خاليا ً من البشر _ و قد كان منذ ثوان يكتظ بالبشر ! _ و فتح المخرج ” كادر اللقطة ” _ طبعا ً دون قصد ! _ فظهر صناع المسلسل ، و هم يمنعون المارة من المرور على الكوبري ، ليتمكن الممثلون من إكمال اللقطة ! ! إنها السوأة الفنية التي افتضحت في كل شيء ، فأظهرت لنا واقع ” مسوخ ” لا صلة له بآباء الدراما التليفزيونية العظماء في مصر !
و يمكن _ بخلع الأضراس _ أن نتقبل هذه الأخطاء الفنية و المهنية غير المسبوقة في تاريخ الأستوديوهات المصرية على الإطلاق ، كما يمكن أن نتقبل ، على مضض بعصر الليمون على أنفسنا ، الأفكار المستهلكة الساذجة ، و المادة الخام الضحلة و الجهل الفاضح بوقائع و أحداث تاريخية يعرفها أصغر طفل في مدرسة ، لكن هل من الممكن _ بالسهولة نفسها _ أن نتقبل واقع ” الرسائل التحريضية و اللاأخلاقية المسفة غاية الإسفاف ” ؟! هل يمكن تقبل ” الحوار الجنسي ” ، بالإيحاءات المكشوفة ، بين ” وفاء عامر ” و ” محمد رمضان ” المتجرد من ملابسه في ” نسر الصعيد ” بهذه الوقاحة في شهر يكلله ” القرآن ” و ” الصيام ” ؟! و قد اضطرت الرقابة لحذف الكلمة المعبرة عن ” العضو الذكري ” في المشهد ، فتطوع الأسطورة ” محمد رمضان ” بنشر المشهد كاملا ً على صفحته ، بعد استعادة الكلمة المحذوفة رقابيا ً ؟! و هل يمكن أن نتقبل المشهد التحريضي ، المفعم بالغل و الحقد الأسود ، في مسلسل : ” فوق السحاب ” ، حين ظهر الشيخ الملتحي ، و هو يجلد الفتاة الرقيقة على ظهرها ، و يعد معنا إحصائيا ً _ بصوته الأجش _ ” جلدة جلدة ” ليستوفي عدد الجلدات إلى ثمانين ، بما يجعل المشاهد يفكر جديا ً في التملص من الإسلام نفسه ، لينجو من هذا السحل العلني ؟! و هل يمكن تقبل حوار الضابط مع المتهم في مسلسل : ” عوالم خفية ” ، و هو يصف الشيوخ المسلمين _ عن بكرة أبيهم ! _ بأنهم ” يوزعون قراريط الجنة كما يريدون ..! ” ثم يستدير لتهديد المتهمين بالحبس الانفرادي مع ” أسد جائع ” و كأننا نعيش في غابة بلا قانون ؟! و هل يمكن أن نتقبل مشهد ” محمد رمضان ” _ بالزي الرسمي الممثل للسلطة _ و هو يضع مواطنا ً تحت قدمه لمدة دقائق ، و يخاطب المحاور أمامه و كأنه يطأ صرصورا ً بلا حقوق ، ثم ينحني على المواطن المختنق تحت حذائه ، ليدس يده في جيبه و يخرج حافظة نقوده ، و ينتزع منها ثلاثمائة جنيه ، في أخس أشكال الاستباحة و إدارة الظهر لأية إنسانية أو حقوق ؟! و هل يمكن قبول مشهد ” أحمد بدير ” في ” سلسال الدم ” ، و هو يصف الانتخابات النيابية ، التي تلت ثورة 25 يناير ، بأنها انتخابات صنعها ” الزيت و السكر و الأموال ” ، بينما أطبقت كلمة المراقبين _ في الداخل و الخارج _ على نزاهتها الديمقراطية ، بقطع النظر عن أية أخطاء حدثت بعد ذلك ؟! و قبل هذا كله : هل يمكن _ بسهولة _ أن نتقبل أخطر الوقائع في دراما هذا العام ، حين عرض التليفزيون مسلسل : ” أبو عمر المصري ” للقاص المعروف و الدبلوماسي د ” عز الدين شكري فشير ” ، و هو مسلسل مأخوذ من روايتيه : ” مقتل فخر الدين ” و ” أبو عمر المصري ” ، حيث فوجيء المشاهدون ، بإزالة اسم المؤلف د ” عز الدين شكري ” من تتر المقدمة و الختام ، و كأن العمل ” لقيط ” بلا مؤلف ، أو حكر خاص ب ” السيناريست ” ؟! لا لشيء إلا لأن المؤلف محسوب على ثورة 25 يناير ، أو له رؤية سياسية مختلفة ؟! و إذا كان المؤلف من وجهة نظر من ارتكب هذه الجريمة الفكرية ، سيئا ً أو مغرضا ً _ فيما يرى من حذف اسمه بدم بارد من غلاف عمل يملكه بحق الملكية الفكرية _ فلماذا اخترنا عمله الأدبي دون غيره ليكون مسلسلا ً ، و ما الذي يجبرنا على التعامل مع نصه مادمنا لا نريده منذ البداية ، أو نتشكك في نياته السياسية و الثورية ؟! نحن بإزاء واقعة استباحة لا يمكن تمريرها أخلاقيا ً ، بحيث نحرم مبدعا ً من نسبة عمله الأدبي إليه و كأنه غير موجود بين أظهرنا ؟! و لو تم تصعيد هذه الواقعة ، لشهدت بلادنا _ بكل أسف _ حملة تأنيب مهينة في أروقة ” اليونسكو ” ؟! و مما زاد الطين بلة أن هذا المسلسل ، تسبب في إغضاب أشقائنا السودانيين ، حين أظهرهم و كأن بلادهم هي حاضنة المعسكرات المسلحة الخاصة بالمتطرفين ، حيث ظهرت العربات ب ” اللوحات السودانية ” في رسالة استفزاز تسببت في حملة إعلامية غاضبة في الخرطوم ؟! إنها خلطة الضحالة و التحريض الأسود التي أساءت إلى المواطنة و القيمة و الولاءات العربية و الإسلامية ، و سحبت من رصيدنا كثيرا ً ، حتى أوشك رصيد ” القوة الناعمة ” على النفاد لآخر قطرة ؟! أما آن صوت الحكمة بعد لنعيد ترتيب الأوراق ؟!

———————————

د حسام عقل

المصريون

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.