تسجيل الدخول

أي تشيع نريد؟ لقاء مع الباحث السعودي د. فؤاد ابراهيم

2010-05-04T21:30:00+03:00
2014-03-09T16:05:17+03:00
تقارير
kolalwatn4 مايو 2010آخر تحديث : منذ 10 سنوات
أي تشيع نريد؟ لقاء مع الباحث السعودي د. فؤاد ابراهيم
كل الوطن

شبكة راصد الإخبارية: أجرى المركز لإسلامي الثقافي ببيروت مطلع الشهر المنصرم، لقاءً مفتوحا مع مع الباحث والمفكر السعودي د. فؤاد ابراهيم

شبكة راصد الإخبارية: أجرى المركز لإسلامي الثقافي ببيروت – مجمع الإمامين الحسنين  – مطلع الشهر المنصرم، لقاءً مفتوحا مع مع الباحث والمفكر السعودي د. فؤاد ابراهيم بعنوان: أيَّ تشيّع نريد؟

وفيما يلي نص الحوار:

 السيد نجيب نور الدين

السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته

في بداية هذا اللقاء يسعدنا أن نرحب بأحد العقول النيرة في العالم العربي والإسلامي وهو الدكتور فؤاد ابراهيم..

د. فؤاد هو من الشخصيات المفكرة والمعروفة في الوطن العربي والإسلامي وكلّما ازداد علماً كلما ازداد تواضعاً ومحبة للناس ولعقيدته ولمشروعه الفكري..

طبعاً د. فؤاد هو سعودي الجنسية ويعيش في لندن لتعذّر عودته إلى السعودية بسبب مواقفه المبدئية من عدّة مسائل لا أرى أن ذكرها الآن مناسب.. د. فؤاد هو من الشخصيات المتصدية للإشكاليات الفكرية الإسلامية الأساسية..

وأسمح لنفسي بأن أقول وهو يُعتبر من رموز المفكرين المتنورين في حالتنا الإسلامية العامة والشيعية بشكل خاص

يسعدنا أن نرحب مجدّداً بالدكتور فؤاد..

للدكتور فؤاد تصنيف للحالة الشيعية إلى ثلاث مستويات:

تشيّع شعبي، تشيّع رسمي وتشيّع متنوّر..

طبعاً لن أطيل… سوف أترك الكلام للدكتور ابراهيم.. فليتفضل مشكوراً..

 د. فؤاد ابراهيم

بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى أهل بيته وأصحابه المنتجبين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ابتداءً.. يجب أن أقدّم شكري الجزيل للأخ العزيز الدكتور نجيب نور الدين لإطرائه المبالغ في ما يرتبط بدوري الفكري الذي أعتقد وما زلت وسأصر على اعتقادي هذا، بأنّ هذا الدور ما زال في مرحلته الابتدائية..

والشكر أيضاً موصول لكم جميعاً.. ومن الشرف لي أن نتشارك معاً في مقاربة موضوع ربما طُرح في وقت سابق ولكن قد تكون هناك حاجة إلى مزيد من الإحماء والإثراء ومزيد من العميق في مناقشة هذا الموضوع..

عنوان كلمتي هو: أيَّ تشيع نريد؟ منطلق هذا السؤال هو أننا نعيش في مخاض تحولات فكرية عميقة جداً.. ربما شهدنا بعض آثارها في مرحلة سابقة.. ربما في الخمسينات والستينات وكانت لها إرهاصات سابقة في بداية القرن العشرين مع ظهور الحركة الدستورية أو الحركة المشروطة في العراق وإيران.. وكانت محطة من محطات التحول الفكري في التاريخ الشيعي

أنا قسّمت – كما تفضل الدكتور نجيب – التشيع من منظور ما وصلنا إليه في الوقت الراهن، إلى ثلاثة أقسام:

التشيع الشعبي أو التقليدي أو التاريخي.

التشيع الحركي أو السياسي أو الرسمي في بعض الأحيان

التشيع التنويري.

التشيع الشعبي أو التاريخي هو النسخة الأصلية للتشيع الذي ربما هو يكتسح الآن الساحة الشيعية ويمثل الحالة الشعبية العامة والتي تتعامل مع النص الشيعي باعتباره نصاً مليئاً مكتملاً وبالتالي العودة إلى المصادر الشيعية كما هي يمثل مصدر إلهام ومصدر للمعرفة الدينية والمعرفة العلمية للقطاع الواسع من الشيعة..

هذا التشيع الذي ما زال النسخة المهيمنة في الشارع الشيعي، بقدر ما مثّل حاضنة للتشيع التاريخي بقدر ما مثل بالمقابل عائقاً أمام حركة التحول أو التجديد في الفكر الشيعي..

خصائص التشيع الشعبي أو التاريخي، كونه اكتساحياً باعتباره يمثل الحالة العامة في الشيعة عموماً وكونه أيضاً يستند في كثير من الحالات إلى الجانب الغيبوي أو التسليمي، بحيث أنه مثل الظاهرة العامة للتشيع، وجاءت العولمة لتضفي عليه مزيداً من الرسوخ خصوصاً مع العولمة الفضائية أو ما نطلق عليه حسينيات فضائية والتي مثلت صوت وصورة التشيع الحالي..

جاء التحول أيضاً في العراق في 2003 ليضيف زخماً جديداً لهذا التشيع الشعبي من خلال المظاهر الطقوسية التي انفجرت في العراق بعد سقوط النظام وربما كان هناك ما يمثل سلوى بالنسبة للشيعة العراقيين الذين عانوا من حرمان طقوسي لعقود من الزمن.. وجدوا أنفسهم الآن أمام حرية ممارسة الشعائر التي لم تقتصر على الساحة العراقية وإنما وجدت لها قنوات تعبير عابرة للحدود والقارات أيضاً.. بحيث إنك تجد اليوم قنوات فضائية شيعية تمتد عبر الأفق إلى كل قارات العالم..

للأسف الشديد أنّ هذا التشيع الشعبي الذي يهيمن من خلال قنوات التعبير السائدة، فرض نفسه كصورة نمطية عن التشيع في وسائل الإعلام في وعي الآخر سواء الآخر السني أو الغربي أو المسيحي أو اليهودي، أي الآخر بكل امتداداته..

هذا التشيع الشعبي أصبح له ايضاً تموجات خارج محيط الانفجار الطقوسي العراقي.. بحيث إنك تجد أن هذه الحالة تجد لها نظائر في كل مناطق الشيعة سواء في الخليج أو في لبنان أو في مناطق أخرى ايضاً. وربما هي شكّلت اللون العام لهذا التشيع السائد..

بالنسبة للتشيع الحركي..الذي كانت له أغراضه السياسية.. هذا التشيع الذي بدأ في وقت مبكر ربما من القرن العشرين حين بدأت الحركة المشروطة بقيادة المراجع الشيعية مثل الآخوند الخراساني أو التبريزي النائيني وحتى ما بعد ثورة العشرين الشيخ محمد زين الشيرازي.. بالإضافة إلى علماء إيران في ذلك الوقت مثل الطباطبائي وآخرين والذين شاركوا في حركة التجديد هذه في الفكر الشيعي.. وربما كان التمظهر الأبرز في هذه الحركة هو كتاب الشيخ النائيني “تنبيه الأمة وتنزيه الملة” والذي أسس لفكرة قيام نظام سياسي مشروط بسلطة مجلس البرلمان أو بسلطة العلماء باعتبار أن البرلمان هو السلطة التشريعية وكون الفقهاء هم الأقدر على استنباط الأحكام فبالتالي هم يمثلون الناظمة أو الضابطة لممارسة السلطة وتداولها

التشيع الحركي تتطور لاحقاً في الخمسينات والستينات بعد ظهور الأحزاب السياسية الشيعية والتي بدأت في إيران مع “فدائيان إسلام” ثم انطلقت مع حزب الدعوة في العراق وحتى من خلال حركة آية الله كاشاني وتحالفه مع آية الله مصدّق وإن كان لم يكتب بعض الأفكار التجديدية في الفقه الشيعي من منطلق سياسي أيضاً..

بدأ التنظير في هذه الفترة من خلال الكتابات الأولية التي أعدّها الشهيد السيد محمد باقر الصدر حول نظرية الحكم في الإسلام استناداً إلى آية الشورى والتي تراجع عنها فيما بعد لتدعيم نظرية أخرى وهي نظرية ولاية الفقيه..

بلا شك أن التشيع الحركي قدّم مادة تجديدية من خلال إزالة الانسداد الفكري والمعرفي في التشيع وربما كان الإمام الخميني الأبرز في هذا المضمار من خلال محاضراته حول الحكومة الإسلامية وولاية الفقيه في نهاية الستينات في النجف الأشرف،حين بدأ سلسلة محاضرات تُرجمت إلى العربية في نهاية الستينات، ثم طوّرها أيضاً في كتاب البيع من خلال محاضرات أيضاً في النجف الأشرف… وبدأ يتحدث عن فكرتين مركزيتين ساهمتا في إحداث هذا الانسداد المعرفي وهذا الانسداد السياسي في التشيع..

فكرة الانتظار التي كان تمثّل بالنسبة لكثيرين العائق الأكبر أمام تحرك التشيع باتجاه الانغماس في الشأن العام..

فكرة الانتظار مثّلت في التفسير الأولي أي في القرن الرابع الهجري، إذ كان الاعتقاد بأن غيبة الإمام المهدي (عج) تعني عدم إمكانية قيام نظام شرعي وبالتالي استدعى هذا غيبته، وبالتالي ليس مطلوباً من غير الإمام المعصوم إقامة الدولة باعتبار أنّ هذا امتياز خاص بالإمام المعصوم.. وقد ارتبطت بعض المفاهيم بهذه الغيبة، كإقامة الحدود والمال العام والأموال وإقامة صلاة الجمعة.. فهذه الامتيازات الأربعة ارتبطت بالإمام المعصوم.. ولذلك نجد في الفقه تباينات حادة في مواقف الفقهاء فيما يرتبط بهذه الموضوعات الأربعة.. ربما في وقت متأخر، (باستثناء المدرسة الأخبارية التي كان لها نهج مختلفة في ما يتعلق بصلاة الجمعة وبعض القضايا) ولكن في المدرسة الأصولية وبالنسبة لصلاة الجمعة مثلاً باعتبار أنها امتياز للإمام المعصوم (بالمناسبة، حتى في المدرسة السنية، صلاة الجمعة مرتبطة ايضاً ببعد سياسي، فالسرخسي كان يقول كان يقول وحدة الجمعة بوحدة الجماعة بمعنى أن الجمعة هي رمز الجماعة ووحدتها وتماسكها) وبالتالي ليس مطلوباً من غير الجماعة المسلمة إقامة صلاة الجمعة.. وبالتالي عندما نتحدث عن وجود جماعة مسلمة هذا يعني أنّنا نتحدث عن وجود حاكم لهذه الجماعة..

هذه الموضوعات الأربعة بدأت تتطور تدريجياً في الفقه الشيعي من القرن الرابع للهجري وما زالت حتى اليوم، فإذا قرأنا سلسلة كتب الفقهاء من القرن الرابع للهجري ومروراً مثلاً بالشيخ المفيد والطوسي والمرتضى وسالار والعلامة الحلي والشيخ الكركي والشهيد الأول والثاني والسبزواري ووصولاً إلى الشيخ الأنصاري وإلى الفقهاء المعاصرين أخيراً..

هذه الموضوعات تتطورت أساساً مع تطور مفهوم الغيبة، وقد جاء الإمام الخميني في النجف الأشرف ليكسر هذا التابو.. وهو أنّ انتظار الإمام المهدي لا يعني الانعزال وتعطيل الأحكام والحدود.. وبالتالي بدأ يطور هذه الفكرة باتجاه إقامة حكومة إسلامية..

طبعاً يجب أن نذكر في هذا الصدد، دور مفكرين أساسين هما الدكتور علي شريعتي وقبله جلال آل أحمد والذي كان عضواً في حزب تودة الشيوعي ثم اصبح إسلامياً واصبح يكتب في المجال الإسلامي

على الأقل من خلال قراءتنا لهذين المفكرين، أحدثا اختراقاً تاريخياً وجذرياً في الفكر الشيعي من خلال إعادة تفسير عاشوراء وحركة كربلاء..

فجلال آل أحمد تحدث عن الحزن الأسود والحزن الأحمر وأن حادثة كربلاء ليست حادثة تاريخية وإنما يجب أن تكون حركة اعتراضية دائمة.. هذه الفكرة طوّرها الدكتور علي شريعتي في ما بعد وبدأ يتحدث عن الإمام الحسين باعتباره رمزاً للمستضعفين في العالم في مقابل يزيد… وهذه الثنائية التي بدأت من قابيل وهابيل وصراع الحق والباطل باستعارة وأسلمة فكرية يسارية حول صراع الطبقات والتي تحولت من الأفكار المركزية في الفكر الشيعي الحديث.. بمعنى أن شريعتي تحدث عن صراع تاريخي ممتد بين الحق والباطل يصل في نهاية المطاف إلى صراع بين الأغنياء والفقراء بين المستضعفين والمستكبرين.. وهذه الفكرة دخلت أيضاً في المجال الاجتهادي الشيعي.. ربما قد نعود إلى بعض الأدبيات الشيعية.. وقد استعار الإمام الخميني بعض الأفكار من هذه التجربة الفكرية لدى شريعتي وجلال آل أحمد..

هذه الأفكار ايضاً انعكست على الأدبيات الشيعية عموماً سواء في لبنان من خلال فكر السيد موسى الصدر أو أفكار شيعية صدرت أيضاً في العراق وبدأت تحدث تحولات تدريجية في الفكر الشيعي.. إلى أن أصبحنا أمام حركة سياسية شيعية تخلّت عن أفكار التشيع الشعبي والتشيع الانتظاري وبدأت تتبنى أفكاراً سياسية تماماً كما يتبناها الفكر الإسلامي عموماً.. وهو أنّ الإسلام بحاجة إلى دولة تماماً كما هو السني أو الشيعي وأن هناك حاجة إلى تبني فكرة تداول السلطة وفصل السلطات والحريات العامة وحقوق الإنسان عموماً..

مشكلة التشيع الحركي أنه حين دخل إلى السلطة وحينما أصبحت لديه مساحة من النفوذ والسلطة أصبح يتبنى بعض أفكار التشيع الشعبي وبدأ يستجيب لبعض متطلبات التشيع الشعبي..

مثلاً نجد في العراق بعض رموز التشيع الحركي أصبحوا بحاجة إلى بناء قواعد شعبية لهم داخل العراق وبالتالي بدأوا يستجيبون للحالة الطقوسية الغيبوية بداخل العراق.. وهذا ما نلاحظه في مناسبة أربعين الإمام الحسين  حيث بدأ بعضٌ من هذه الرموز يمشون مسافة طويلة من البصرة إلى كربلاء حفاة وربما هم لا يعتقدون في داخلهم بهذه الممارسات الطقوسية ولكنهم يرون أن بناء رأس مال اجتماعي أو شعبي يستوجب الانغماس مع التيار الشعبي في بعض رموزه وخصوصاً عندما تفجر تيار المحرومين الذي كان يمثل التيار العريض الشيعي العراقي وممثلاً في التيار الصدري وجُلّه من المحرومين.

هذا التشيع هو تشيع تقليدي وتاريخي ومسكون بالغيبيات والممارسة الطقوسية التقليدية والارتباط بالأيقونات الكلاسيكية كالحسينيات والرواديد والمواكب والزيارات الجماعية.. بينما التشيع الحركي الذي طرأ على العراق في اعتبار أن التجارب الحركية الشيعية في العراق هي تجارب طارئة لأنّ الأحزاب الشيعية انكسرت في الداخل في بداية الثمانينات فخرجت خارج العراق، وحينما عادت، عادت بدون قواعد شعبية.. القاعدة الشعبية هي للتيار الصدري أو تيار المحرومين وبالتالي كان هناك حاجة إلى بناء قواعد شعبية جديدة.. هذه القواعد مرتبطة بالتشيع التاريخي والتقليدي.. فاضطرت هذه القيادات الحزبية التي كانت في يوم ما تتبنى تشيعاً تنويرياً إلى محاولة المصاهرة بين التشيع التقليدي والتشيع التنويري، ولأنها ذات نزعة سياسية ولديها أجندة سياسية فإنها كانت تسعى إلى دمج متطلبات التشيع التقليدي ومتطلبات التشيع التنويري.

التشيع الثالث هو التشيع التنويري الخالص والمحض، والذي لا يبتغي أهدافاً سياسية ولا يبتغي الاستجابة لمتطلبات الشارع، وإنما هو يرى أنّ مهمته الدينية والشرعية والأخلاقية والتاريخية تقديم التشيع النقي الذي وضعه أهل البيت  دون الركون إلى أجندة سياسية ودون الخضوع لتأثيرات الشارع الشيعي.. هذا التشيع ممثلاً في فئة قليلة جداً كما هي العادة دائماً.. هذه الفئة قد تواجه أيضاً حملات وضغوطات من التشيعين الشعبي أو السياسي..

ولهذا قد نجد أن بعض الأفكار التي حملها التشيع التنويري واجهت رفضاً وحرماناً “كنسياً” سواء من التشيع الشعبي أو من التشيع الحركي..

أعتقد أنّ هذا التشيع التنويري الذي يفتقد إلى وجود اجتماعي متماسك وله تأثيرات على الواقع الاجتماعي والثقافي والإعلامي.. هذا التشيع لا يمتلك قنوات للتعبير عن نفسه كما يمتلكها التشيع الشعبي أو التشيع الحركي..

هذا التشيع قد يعمل بصورة إفرادية اي كلٌّ من موقعه ولا يملك قنوات التواصل، وربما يكون هناك من يستهدف تقطيع أوصال هذا التشيع لكي لا يتحول إلى حركة تنويرية في التشيع

عندما نعيد طرح هذا السؤال.. أيَّ تشيع نريد؟ يجب أن نمارس عملية نقد ذاتي ونقد جراحي..

للأسف الشديد، نحن أمام واقع ليس محكوماً بالواقع الشيعي فقط.. وإنما هناك أيضاً واقع قد تمليه الظروف خارج الدائرة الشيعية..

فقد تواجه هجوماً سلفياً متطرّفاً.. ينتظر أو يبيّت نية استهدافك من خلال ما تقدّمه له من أسلحة وذلك بإشغال الساحة الشيعية بالتباينات والاختلافات والتناقضات، وبالتالي هذا يحيل الساحة الشيعية إلى معركة تنشغل بنفسها بمنأى عن الآخر..

على الرغم من أنّ هذه المهمة يجب أن تكون مهمة المسلمين جميعاً… يعني أن هذا الإسلام الذي وصل إلينا اليوم هو ليس الإسلام الذي كان سائداً في عهد الرسالة الأولى وبالتالي كل المذاهب الإسلامية بحاجة إلى أن تزيل مخالبها عن الآخر وأن تنشغل بذاتها.. وأن تمارس عملية مراجعة حقيقية وأن تمارس نقداً ذاتياً موضوعياً لإعادة تشكيل صورتها الحقيقية من خلال إعادة قراءة النص الديني وقراءة النص التاريخي بعيداً عن ما يطلق عليه دايجو شيغان ” أدلجة المأثور“..

في واقع الأمر، كنا جميعاً كمسلمين ضحايا لهذه الأدلجة بسبب تناقض المصالح وتعارض الأهداف وهذا أدى إلى غياب حركة تنويرية تجد نفسها مطمئنة لما تقوم به من أهداف ولما تسعى إليه أيضاً من إنجازات..

الحركة التنويرية الشيعية ما زالت في بدايتها.. ولا بدّ أن نميّز في داخل التشيع التنويري بين من يستهدف إعادة بناء الصورة النقية للتشيع وبين من يحاول تقويض هذه الصورة من خلال نسف ما يراه أو ما لا يراه من التشيع ويعتبر أن التشيع هو كتلة من التناقضات وكتلة من الآثام والذنوب وبالتالي يجب علينا أن نتحرر من هذا المعتقد..

أعتقد أنّ هذه مقاربة خطيرة جداً ولا يجب أن نلتفت إليها لأنها أيضاً ليست مقاربة علمية.. إذا كنا نتعامل مع نص موجود في التاريخ وموجود في كتبنا، فيجب أن نستعمل الأدوات العلمية مع الالتزام بالضوابط الشرعية… هناك من أجرى مقاربات، هي من وجهة نظري، تحمل نصفاً من الحقيقة ونصفاً من غير الحقيقة على الأقل في هذه المقاربات

من هنا، نحن بحاجة إلى مقاربات موضوعية بعيداً عن الانفعال وعن التسليم

أكتفي هنا، وربما هناك أسئلة لدى الأخوة والتي تساعد على إثراء النقاش والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

 السيد شفيق الموسوي

بسم الله الرحمن الرحيم

أضمّ صوتي إلى صوت الدكتور نجيب، ليس مدحاً بوجهك دكتور فؤاد ولكن بالثناء على مواقفك وعلى عقلك التنويري وعلى سعة أفقك..

هذا أولاً..

ثانياً.. نحن نلاحظ يوماً بعد يوم أنّ الإسلام التنويري لا أقول بدأ يطفو على السطح، ولكن بدأ يعلو صوته إلى حدّ ما.. ولكن علوّ هذا الصوت تجده مغلّفاً بشيء من الخوف وأحياناً من القلق من محاصرة الآخرين لهذا الصوت بهدف إلغائه..

السؤال هو: إلى متى سيبقى هذا التشيّع التنويري رابضاً في بطون الكتب أو في الجلسات الخاصة أو في حلقات مقتصرة على بعض النخبة، دون أن يجد له مكاناً في هذه الساحة الشيعية الكبيرة والتي تتخبط بين تشيع مغلف بالأسطورة والخرافة وبين تشيع سياسي يخلط بين التنوير وبين إرضاء الجمهور العام؟ وإلى متى سيبقى صوت هذا الفكر التنويري صوتاً غير مسموع.. لكي نستطيع أن نخرج من واقع يضجّ بشيء من التخلف والأسطورة إلى واقع يحمل الكثير من التطلّعات والطموحات وذلك للخروج من مأزق بدأنا نشعر فيه بجدّية خصوصاً بعد انتشار القنوات الفضائية التي بدأت تنشر التشيّع بصورة قد لا يقبلها تشيّع علي بن أبي طالب..؟

 د. فؤاد ابراهيم

سيدنا الفاضل.. أنا أتقدّم لك بالشكر الجزيل وأنت أهل له..بالنسبة للإجابة عن هذا السؤال.. أنا لا أخفي عليك هذا الشعور المبالغ لدى الكثير من التنويريين الشيعة والإحساس بالعزلة التي يعيشونها أحياناً.. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن ننظر أيضاً إلى الظروف الضاغطة باعتبار أنّ هذه النخبة الشيعية التنويرية لا تعيش في جزيرة معزولة وبالتالي هي تتفاعل مع تحولات تعيشها أو تتفاعل معها ولو من بعيد.. حتى الناس الذين يعيشون خارج العالم الإسلامي أي في أوروبا وأميركا وقارات أخرى.. فهم يتفاعلون معها بصورة أكبر مما يتفاعل معه التنويري الشيعي من الداخل..

ولكن هذا لا يعني أن نقع مستسلمين لضغوطات التشيع الشعبي أو التاريخي أو الأسطوري لأنّ هذا التشيع لا يمثل صورتنا ولا يمثل هويتنا ولا يمثل تشيعنا الذي هو تشيع الإمام علي.. وخصوصاً أننا كأناس نعتقد بأننا قريبون من روح علي ومن روح النص الشيعي..

نعتقد بأنّ هذا التشيع يجب أن يعاد إحياؤه كما يشاء الذين أسسوا له في بداية ولادته..

هذا التشيع الذي نجده اليوم، هو في ظني وأعتقد بأنني أدين الله به سواء في الدنيا والآخرة، فإنّ هذا التشيع الذي قرأته في الكتب ليس هو التشيع الذي نراه اليوم..

هذا التشيع الذي نراه اليوم هو ما حاربه أئمتنا في حياتهم.. ونحن لا نتحدث عموماً ولكن أتحدث وفي مخيلتي بعض النماذج الحاضرة ومنها النموذج العراقي وقد أعذر ربما من يمارسون هذا التشيع باعتبار أنّ العراق انقطع عن العالم وعن حركة التحولات الفكرية الشيعية لعقدين من الزمن (من 1980 إلى 2003).. وبالتالي أنا أعذر ظهور هذا التشيع ولكنني ألوم الذين جاؤوا من الخارج وتبنوا واعتنقوا ولو جزئياً هذا التشيع الشعبي.. ثم هذا التصدير الذي حصل بعد عام 2003 إلى مناطق أخرى..

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.