تسجيل الدخول

عبد الفتاح بن عطية:شرق المتوسط.. الصراع من أجل الطاقة !

كل الوطن- فريق التحرير20 نوفمبر 2018آخر تحديث : منذ سنتين
عبد الفتاح بن عطية:شرق المتوسط.. الصراع من أجل الطاقة !

لطالما اتجهت أنظار الزعماء و القادة عبر التاريخ الى حوض البحر الأبيض المتوسط و تعلقت به أطماعهم التوسعية و أثارتهم منه منافذه الاستراتيجية و مياهه التي تربط شمال الأرض بجنوبها، فكان من أمرهم ما كان من صراعات و حروب و غزوات بحرية بذلوا لأجلها أرواحا و عتادا و طوروا لها سفنا و أساطيل بل سقطت على شطئانه امبراطوريات و نبتت من خلفها أخرى و كانت جميعها تستمد قوتها و سطوتها مما نالته أيديها من سواحله و مياهه و مسالكه البحرية،
فلا غرب أن نرى اليوم، و إن طالت زماننا التغييرات و لحقته التسويات و الاتفاقيات الدولية، و بنفس الحدة تهافت الدول و صراعاتها على السيطرة على حوض المتوسط و اثبات أحقيتها على ما تراه ضمن حدودها البحرية و ترى ما في باطنه من ثروات جنتها الاقتصادية الموعودة، فتعاظمت و الحال هذه، الاختلافات بين دول شرق المتوسط على ثروات الغاز الهائلة و المكتشفة حديثا في أعماقه، و هو ما ينذر بصراع طويل بين أهم الدول المطلة عليه و يفسر التسابق على التسلح العسكري و فرض وسائل السطوة و القوة البحرية بالتوازي مع العناد الدبلوماسي و المطالبة بالطرق القانونية بما تراه حقوقها،
فتركيا مثلا ترفض الاتفاق المصري القبرصي لترسيم الحدود بينهما، و رفضها ينبع من اشكالية عدم تسوية الأزمة القبرصية مما يعني عدم اعترافها بالحقوق القبرصية في مياه اقليمية بل عدم الاعتراف بإستقلال قبرص إبتداءً، هذا من ناحية أما من الجانب المقابل فإن اليونان تسعى للتسريع في رسم حدودها البحرية مع مصر مما يساعدها في مباشرة استغلال ثروات الغاز المكتشفة شرق المتوسط و التي أججت منذ تواتر الحديث عنها بكميات هائلة صراع الدول المطلة على الحوض الشرقي، و ليس الاتفاق الثلاثي بين كل من مصر و قبرص و اليونان هو الأول في هذا النطاق، فقد سبق أن وُقعت مذكرة تفاهم بين مصر و اليونان في 2003 لترسيم الحدود البحرية للمنطقتين الاقتصاديتين الخالصتين بينهما، ليبقى الاشكال هاهنا في الرفض التركي و الذي بني أولا على عدم الاعتراف بإستقلال قبرص و بالتالي عدم قانونية أحقيتها في المياه الاقليمية و بقائها منطقة متنازعا عليها و ثانيا فيما يتعلق بالحدود التركية اليونانية و التي تتسم هي الأخرى بالاختلاف و التنازع حول جزيرة كاستلوريزو اليونانية الملاصقة لتركيا، و تحديدا حول أحقية الجزيرة في منطقة اقتصادية خالصة أي حصولها على 200 ميل بحري و هو ما يعني ملاصقتها المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص،
مما لا شك فيه أن اسرائيل و التي سبقت في ترسيم حدود المناطق الاقتصادية الخالصة بينها و بين قبرص، تسعى الى شق طريق بحري يمر عبر المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص الملاصقة أصلا للمنطقة الاقتصادية الاسرائيلية فالمنطقة الاقتصادية “المفترضة” لجزيرة كاستلوريزو اليونانية فالحدود البحرية الأوروبية ما يعني امكانية تمريرها لأنبوب الغاز نحو أوروبا دون مروره بالجرف القاري أو بالمياه الاقليمية التركية،
الدوافع إذا اقتصادية للجميع سياسية بالدرجة الثانية، فاليونان و مصر يدفعهما ضرورة استغلال حقول الغاز لمجابهة الأزمة الاقتصادية و لا شك أن عائدات الطاقة هي الطريق الأسرع للانتعاش الاقتصادي و جذب الاستثمار ما فسر اهتمامهما بضرورة انهاء الخلاف و رسم الحدود بينهما،
“اسرائيل” هي الاخرى يدفعها مشروع خط أنابيب الغاز نحو أوروبا و هي مصلحة اقتصادية بالأساس لكنها في نظر تل أبيب سياسية أيضا من ناحية كسب ورقة رابحة سياسيا مع أوروبا و من وجه آخر فهو منافس لمشروع “السيل التركي” و الذي ينقل الغاز الروسي عبر الأناضول،
و هنا تتضح الصورة جليا في سبب الرفض التركي أو حتى المماطلة و إبقاء الوضع على ما هو عليه شرق المتوسط، خاصة و أن مشروع السيل التركي يقدر أن يرى النور في 2019 مما يعني أن أي اتفاق أو ترسيم للحدود بين دول الحوض الشرقي قد يسهل فرض مشروع الخط الاسرائيلي كبديل أو منافس للسيل التركي، و تنظر تركيا أيضا للجزيرة القبرصية و للمياه الشمالية الشرقية للمتوسط كمنطقة استراتيجة تسعى لبسط سيادتها أو فرض نفوذها فيها كأقل تقدير، و هو ما يعني مواصلة التعنت و رفض الاتفاقيات المبرمة بين مصر و اليونان و قبرص أو بين مصر و اسرائيل لاحقا فيما تراه يمس من مصالحها،
فكان لزاما أن تفرز أزمة الحدود البحرية شرق المتوسط منافسة عسكرية بين دوله لفرض رؤيتها و سيادتها عبر قوة ردع أولا و حماية مصالحها في حوض المتوسط بالقوة العسكرية ان لزم الأمر أو تطور الخلاف الى درجة التصادم العسكري ثانيا، و ثالثا بهدف بعث التطمينات لشركات التنقيب و التي تستوجب حالة من التأمين و الحماية تفرضها الدول المتعاقدة، و ليست الحالة القبرصية منا ببعيد حيث آثرت شركة “ايني” الايطالية السلامة حين أوقفتها السفن الحربية التركية و حالت دون مواصلتها عمليات التنقيب و الحفر قبالة السواحل القبرصية،
و عليه فإن الاهتمام المصري بالجانب العسكري بحريا لا يجب أن يفهم خارج هذا السياق ايضا، فالصفقة التي اقتنت بموجبها مصر حاملتي مروحيات من نوع ميسترال فرنسية الصنع في 2015 تدخل هي الأخرى ضمن هذا المنحى، و لا يعني بحال أن أسباب الاهتمام بالتسلح العسكري البحري تختزلها أزمة الصراع في شرق المتوسط و لكنها تدفع حتما إلى وضعه ضمن الأولويات، فصفقة تسلح بذلك الحجم و في ظل اقتصاد مصري متعثر لم تكن لتوجه لسلاح البحرية أو لتعقد أصلا لولا التهديدات و المصالح الاقتصادية التي وجب حمايتها،
و إنما يدفع إلى تعزيز هذا الفهم توجه تركيا هي الأخرى إلى الإهتمام بالتسلح البحري، فمثلا نجحت مؤسسة بناء السفن التركية الحكومية و من خلال شراكتها مع مؤسسة نافانتيا الاسبانية في وضع خطة لتصنيع بارجات حربية حيث سلمت الشركة بارجتين للقوات البحرية التركية العام الماضي و تعمل على بناء بارجتين حربيتين جديدتين لصالحها، اضافة الى تعزيز قدرات سلاح البحرية بإقتناء زوارق خفر السواحل و غيرها من الصفقات التي ترمي الى بناء قدرات عسكرية بحرية فاعلة، بل إن الحكومة التركية تعمل من خلال عقد وقع في 2015 بين وزارة الدفاع التركية و المؤسسة التركية لصناعة السفن لبناء أول حاملة طائرات تركية اضافة الى تصنيع سفن حربية برمائية، و لا شك أن سلاحا بحريا كحاملة طائرات لن يكون مجرد سلاح دفاعي لحماية السواحل و حراسة الحدود إذ يعتبر سلاحا استراتيجيا في البحار،

و مهما يكن من أمر، فإن الأزمة القديمة الجديدة شرق البحر الأبيض المتوسط و التي تدور رحاها حول قطاع الطاقة و ما له من تأثيرات على سياسات الدول و استراتيجياتها لن تختزل تفاصيلها أو تنطفئ جذوتها بمجرد اتفاق ثنائي أو موافقة طرف دون آخر، بل إن ذلك من شأنه أن يدفع بالأزمة نحو التصعيد و يفتح الباب للقوة الخشنة بأن ترسم خطوط التفاوض دون الدبلوماسية، بيد أن ما تشهده المنطقة من إختلافات أورثتها إهتماما متزايدا بالتسلح العسكري البحري لا يعني حتمية الإحتراب بين الأطراف المتصارعة حول النفوذ و الطاقة في الحوض الشرقي للمتوسط أو أن سباق التسلح هذا ممهد لحرب إقليمية تفتك عبرها حصص الثروة عنوة لكنها لا ريب وسائل ردع و قوة ترفع قيمة الدولة و تفرض رؤيتها عند التفاوض، و ذلك عهدنا بنزاعات المتوسط بدأً من صراعات البيزنطيين و الرومانيين و من تلاهم و ليس انتهاءً بنزاعات الحرب العالمية .

——————————————————————————————————

عبد الفتاح بن عطية

كاتب صحفي

كل الوطن

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.