أحمد الحناكى : كفى خنوعاً وانبهاراً (2 من 2)

كل الوطن1آخر تحديث : السبت 20 يوليو 2019 - 12:36 مساءً
أحمد الحناكى : كفى خنوعاً وانبهاراً (2 من 2)

كتبت في المقالة السابقة عن المنبهرين بالغرب، وأكمل هنا عن ما صنعه الغربيون بالمكتبات العربية.

خسر العرب ما يزيد على مليون كتاب في الأندلس، حين شن الإسبان حرباً شعواء عليهم ، وأحرقوا الكتب بقصد تدمير الثقافتين العربية والإسلامية، وعندما انتزع العثمانيون مصر من يد المماليك قاموا بسلب ونهب وتدمير المكتبات وحرقها.

وأسهم الاستعمار الفرنسي في نهب الكتب العربية وحرقها، فعند خروج الحملة الفرنسية من مصر في عام 1801، تم نقل العديد من المخطوطات من مصر، وأشار ألفريد بتلر في كتابه “فتح العرب لمصر” إلى قيام الفرنسيين بحرق مكتبة “جامعة الجزائر”، وكانت تضم نصف مليون كتاب.

 ويبدو أن المفكر (الذي تحدثنا عنه في المقالة السابقة) لم يخل من تلامذة، فها هو أحد الكتاب في تويتر يخاطب القراء بقوله: “أرجو أن تعذروا صراحتي؛ ولكنني أعتقد أننا من أكثر الشعوب تعصباً لتاريخنا وجهلاً بتاريخ الحضارات الأخرى.. والأسوأ أن طبيعتنا المحافظة وتقوقعنا داخل شرنقة الخصوصية وأمجاد الماضي، أثّرا حتى على طريقة كتابتنا التاريخ، بحيث أصبح أبناؤنا يعتقدون أنه لا يوجد غيره أو أفضل منه”.

سؤالي لهذا المغرد: “من أين لك هذا الاستنتاج أو الاعتقاد؟”. للأسف، أن الغرب، الذي هو من عشاقه، لا يطلق الكلام على عواهنه، فهناك أبحاث واستقصاء ودراسات، وعلى أي حال ليس هناك ما يسمى الأفضل أو الأحسن، ففي كل دول العالم ظاهرة الاعتزاز الوطنية تكاد تصل حد “الشوفينية”، ثم أن المغرد الآنف الذكر، لم يفرق بين العلماء وبين المواطنين، ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن الشعوب العربية من أكثر الأمم ثقافة، والسبب أنها مرت ولا تزال في مخاضات سياسية واجتماعية واقتصادية وتعرضت للاستعمار على الأقل في عصرها الحديث. وبعكس كلامه، فإن أبناءنا الآن منجرفون تحت مفهوم الثقافة والإعلام الغربيين إلى حد بعيد، وهو أمر مؤسف على أي حال.

الغرب بشكل خاص يتمنى استمرارنا كمستهلكين ليظل جاثماً برأسماليته الجشعة. وبالتالي، تكمن الخطورة في استسلامنا لحكاية التفوق وعدم السعي إلى أن نكون منتجين ومخترعين، علماً أن الكثير من الدول خارج المنظومة الأميركية والأوروبية تمردت على هذه الهيمنة، وليس هناك ما يمنعنا أن نصبح مثلهم.

لا أعرف إذا كان المنبهرون بالغرب يعتقدون أن القضية سهلة لدرجة أن الغرب ينتظر اعترافنا أو استسلامنا، أو حتى انبهارنا أو انبطاحنا، لننتقل إلى الخطوة الأخرى التي يراها، وهي أن يتفضل علينا بنقل تجاربه وتقنيته واختراعاته؟

بالطبع من دون ذلك “خرق العتاد”. فهم، ومنذ عصور الاستعمار، يتعاملون معنا كمستهلكين ويقاتلون لنستمر على هذا المنوال، سواء بإذكاء التفرقة والفتنة وإشعال الطائفية وإيقاد العصبيات، أم التحريض على الحروب والضغوط لشراء السلاح، مستخدمين بذلك خبرتهم الجبارة بالإعلام والاستخبارات والدسائس.

والملاحظ أن ذلك يتم بشكل منظم ومرتب، فيوم في العراق ثم سورية أو ليبيا أو اليمن أو الخليج، ناهيك عن أصابع خبيثة في مصر أو لبنان أو تونس. المهم في المحصلة النهائية أنهم لا يجعلون الدول المستهلكة تملك الفرصة أو الوقت لتصبح دولاً منتجة، لأن هذا يشكل خطراً على أسواقهم.

إنها أشبه بمفهوم التوطين الذي تمارسه الدول، والمقاومة التي يقوم بها الأجنبي حتى لا ينقل ما يعرفه إلى المواطن، وستظل القضية كرة يتبادلها الطرفان حتى يستطيع الطرف الأضعف أن ينتقل في موازاة الأقوى، وهو ما يتطلب كفاحاً ونضالاً، لا خنوعاً واستسلاماً وضعف ثقة بالنفس.

صحيح أننا في المقابل لا يجب أن نعتمد على ماضينا مهما كان زهياً، لكن في الوقت ذاته يجب ألا نتبرأ منه أو نخشاه أو لا نفخر بإنجازاته، فكل دول العالم تتمسك بتراثها وثقافتها وتاريخها ورموزها، حتى لو كانوا مهاجرين يحملون جنسيات أخرى، وسواء كان الواحد منهم فناناً كان أم مخترعاً أم لاعب كرة قدم أم تمثالاً قديما لأحد زعمائهم.

—————————————-
احمد الحناكى
الحياة
رابط مختصر
2019-07-20 2019-07-20
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

كل الوطن1