هيفاء صفوق : لماذا نكرر السلوك نفسه؟

كل الوطن1آخر تحديث : الخميس 5 سبتمبر 2019 - 12:01 مساءً
هيفاء  صفوق : لماذا نكرر السلوك نفسه؟

يتكرر سلوك الفرد مرات عدة في كل مرة يشعر فيها بالغضب والاستياء، ومن ثم يسأل نفسه لماذا كررت هذا السلوك رغم أنه لا يرغب فيه حقيقة!

يشعر هنا الفرد بالمتاهة، ما يجعله يتشتت أكثر ويتخبط بإصدار القرارات ثم إلغائها، بسبب تعجله وعدم فهم طبيعة هذا الشعور أو هذه المشاعر.

كأن يتخذ قراراً تعسفياً بحق نفسه بعد سلوك أو تصرف معيّن، ويبدأ في جلد الذات ومعاقبة النفس من دون الاستفسار عن السبب الحقيقي خلف هذا السلوك، غالبيتنا تدرك أن خلف كل سلوك اعتقاداً أو مشاعر محركة خفية، بعضنا يدركها وبعضنا لم يتعرف عليها وبعضنا لا يريد أن يتعرف عليها هرباً منه، يدّعي «اللا مبالاة» و«التجاهل»، وربما يتمادى في تصرفاته ويتوهم أنها صحيحة، لكنْ في داخله فراغ كبير وضياع لمعرفة هويته الصحيحة، وهؤلاء يعيشون في غربة نفسية كبيرة يغلفونها بمزيد من التصرفات العشوائية التي تسد حاجة الشعور عندهم موقتاً.

كثير منا يسمع أحداً ما يقول «اشتقت لنفسي»! هو صادق في تعبيره وإحساسه، لكنه لا يقف ويتأمل هذه العبارة، هذه العبارة تحكي الكثير وتوضح العمق من شعوره بالغربة وعدم الانسجام مع ذاته، هذه العبارة تجعله يقبل أي شيء ويذهب مع أي شيء على رغم عدم قناعته بذلك، لماذا؟ لأنها تسد ثغرة موجودة في داخله.

أقسى شعور يشعر به الفرد هو «الغربة الذاتية» التي لا يملؤها شيء، هي من تجعله يتخبط ويقرر ويتصرف من دون قناعاته الحقيقية، يصبح من الداخل ضعيفاً هشاً، ومن الخارج قوي الشكل والصورة فقط، ما يجعلنا نطرح أسئلة عدة:

– لماذا أكرر السلوك نفسه على رغم عدم قناعتي به، لكني مجبر عليه؟

– ما الذي يجعلني أستمر في علاقات غير جيدة؟

– ما الذي يجعلني في مكان عمل لا يناسبني؟

– ما الذي يجعلني أسافر دائماً على رغم عدم شعوري بمتعة السفر؟

هكذا سلسلة طويلة من الأسئلة تزيد الفرد حيرة وغربة وتجعله أسيراً لكل ذلك، لا يستطيع أن يتخذ قراراً صائباً في بناء حياته كما يرغب.

مهم أن ندرك أن خلف كل سلوك أو تصرف مشاعر معينة لم نتعرف عليها خفية، لكنها محرك قوي في توجهاتنا وقراراتنا، ولها سلطة عجيبة علينا، ربما ندّعي مبررات عدة لكنها ليست الأسباب الحقيقية لتصرفاتنا.

أحد أهم الأسباب عدم معرفة أنفسنا فعلاً من الداخل نستمد القوة والطاقة من الآخرين، فهم يحركون حياتنا كما يرغبون، وأيضاً خلف تصرفاتنا هو الشعور بالاحتياج والافتقاد للآخر، ما يجعلنا نقبل عدداً من الصداقات ونحن غير مقتنعين، لكن شعور الاحتياج للرفيق أو الصديق يشعرنا بالدفء والأمان ويجعلنا نقبله لسد هذه الثغرة، كم من الأفراد ضاعت سنواتهم في صداقات جلبت لهم المشاكل، أو صداقات استغلتهم، أو صداقات لم تقف معهم في ظروفهم، كم من الأفراد بذلوا الجهد في دوائر عمل لا يشعرون معها بالانتماء وكانت لديهم خيارات عدة، لكن شعور الخوف والعوز منعهم من اقتحام عمل جديد، كم من علاقات زوجية فاشلة وصراعات داخلية كثيرة أثرت على نفسية الأبناء ولم يتخذ الزوجان حيالها قراراً صائباً ينقذ هذه العائلة، بسبب الخوف من كلام الناس أو التجاهل والهروب، كلها تصرفات وسلوكيات وقرارات متكررة لم يحسم الأمر فيها سوى مزيد من الاستنزاف.

العديد من التصرفات التي لا يرغب فيها الفرد نابعة من مشاعر لم يفهمها أو لم يتعرف عليها، جيد أن نسأل ما هو خلف هذا التصرف أو السلوك أو القرار، خاصة عندما لا نرغب فيه، ستتضح الأمور أكثر ونتعرف على شعورنا الداخلي بشكل أعمق.

الحقيقة أن هذه المشاعر ليست فقط رغبةً في الآخر، بل هي إشارة أو علامة لرغبتنا نحن بالانسجام مع أنفسنا وتزويدها بالحب، لا نأخذ هذه المشاعر كالحب أو الدفء من الخارج، بل نأخذها من النبع الذي في داخلنا، القلب هو محتوى جميع المشاعر، ولكي نتعرف على جمال هذا القلب لا بد أن نتصالح مع ذواتنا من الداخل، ونزيح كل ما علق فيها من شوائب، سواء أكانت من تربية غير جيدة أم من تجربة قاسية أم من برمجة خاطئة، لا بد أن ننظف هذا القلب ليسطع ويلمع من جديد، من هنا نبدأ نتصل ونتفاعل مع داخلنا حقيقة، وتصبح الرغبات والاحتياجات مشبعة من المركز من النبع (القلب)، وتصبح علاقاتنا الخارجية مكملة لنا، والتفاعل والانسجام نابع من الاكتفاء الذاتي، من هنا أيضاً لن نعيد السلوكيات والتصرفات غير المرغوب بها.. لماذا؟ لأننا سنكون أقوى ولدينا زمام الأمور بكل ما نريد، سنجد السلوك هو من تلقاء نفسه يعرف الطريق كيف نسلكه، سيكون هناك انسجام وتناغم بين المشاعر والسلوك، وهذا أهم شيء للفرد، لأنه سينعكس على كل شيء في حياته وتوجهاته، وقراراته ستكون ممتلئة، وهناك فرق بين أن ننطلق في تصرفاتنا من الحرمان أو ننطلق من القوى والثقة بأنفسنا.


هيفاء صفوق

الحياة

رابط مختصر
2019-09-05 2019-09-05
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

كل الوطن1