د. زينب الخضيري : لا تخربوا دوائري

كل الوطن- فريق التحريرآخر تحديث : الثلاثاء 19 نوفمبر 2019 - 4:19 مساءً
د. زينب الخضيري : لا تخربوا دوائري

بوسعك أن تتحدث ما شئت حتى الملل، أن تطرح أفكارك وتطارد قناعاتك ولكنها في معظم الحالات تعد سعياً محموماً نحو شيء قد لا يكون أو لا يأتي، بمقدورك أن تسافر عبر أجنحة الأفكار والرؤى؛ فالحياة فيها متسع للحركة والأحلام، ولأن الإنسان ابن بيئته التي يخضع لسياقها وثقافتها فهو غالباً ما يحاول بناء عوالمه من أفكاره، فالأفكار ما هي إلا نتاج النشاط العقلي للإنسان عندما يواجه نفسه أو مشكلاته، كذلك الرؤى الخاصة به، وهذه العوالم الممكنة تبقى دوماً من صناعة ذات تراعي أحلامها وطموحاتها النموذجية، فيصوغ له فرضيات من واقعه وخزينته الثقافية، إلا أن هناك ابعاداً أخرى في الحياة تختلف عن أبعادك الشخصية ونظرتك لذاتك، والأكيد أنه من الجهل محاولة إقناع غيرنا على رأي من الآراء بنفس البراهين التي نقنع بها أنفسنا، ولا يجدر بنا أن نغير وجهة إطاره الفكري، فدائماً هناك أسراب من طيور تغني، وكوكبة من كتب ضاجة بالحياة، وقصص هاربة من ضواحي اليأس إلى فضاء الأمل، فتحتشد الكلمات لتخلق مزيجاً من التأملات على صفحات العقل، فما من أحد يستطيع أن يجاري جمال هؤلاء البشر المملوئين بالأفكار والطموحات.

وطالما أنك تفكر ومؤمن بما تعتقده ستصل إلى ما تريده، فنحن نبني صداقة مع أفكارنا وأحياناً أفكار الآخرين ندخل دوائرهم ونجعلهم يتماسون مع دوائرنا، وهذا نوع من التلاقح الفكري وكأننا نقرأ كتاباً، انظر لنفسك عندما تقرأ كتاباً وتحبه ستتعلق به وعندما تنتهي منه وتطويه على غلافة الأخير، ستصاب بوحشة، وكأن الزمن توقف، فلا شيء يضاهي عقارب النهايات عندما تدق معلنة الرحيل، فقد نطوي الكتاب ونقفله على أجزاء منا بقينا معها بكل ود، وسبرناها بنظراتنا مع كل سطر، لم يكن فعل القراءة يوماً فعلاً عادياً بل هو حياة، ومشاعر مكتملة النمو تكبر وتكبر حسب مدة قراءتنا للكتاب، فليس غريباً أن نحس بالحزن عند اتمامنا لكتاب فنحن نشعر أننا سنفقده.

وهذه المشاعر تتولد عندما نعيش التجربة أياً كانت ونتوغل داخل تفاصيلها بحالة حب مكتمل الأطراف، وهذه حالنا كذلك مع من يماثلنا من البشر تشتبك دوائرنا الفكرية مع بعضها حتى تنتهي بدوائر أخرى تخرج منها، إلا أن بعض البشر لا يحب أحداً أن يقترب لدوائره مثل أرخميدس عالم الرياضيات الإغريقي الذي قتله الجنود الرومان “لا تخربوا دوائري!” قالها لهم عندما دخلوا عليه فوجدوه يرسم دوائر في الرمال محاولاً إثبات نظرية هندسية.


د. زينب الخضيرى

الرياض

رابط مختصر
2019-11-19 2019-11-19
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

كل الوطن- فريق التحرير