بدأت هذه الظاهرة قبل حوالي عشر سنوات تزيد أو تقل، كانت في الواقع وليدة حملة وطنية رائعة قادها بعض الطيبين لدفع العنصرية والنظرة الدونية عن بعض أصحاب الوظائف البسيطة، بدأ بعضهم بالتصوير معهم وتقديم الطعام لهم داخل البيت وبعض الصحفيين أجرى معهم مقابلات وكتب عن معاناتهم ولم يجد بقية الطيبين من الناس ما يقدمه لهم سوى أن يمدهم بالنقد بالقدر الذي تجود به نفسه كلما التقاهم.

تحولت المسألة إلى ظاهرة اجتماعية اتفق عليها معظم الناس، صارت البدل الصفراء رمزاً رومانسياً يثير الشفقة والتعاطف ومدراً للإحسان، كما هي عادة عمل الخير العفوي يصبح نهباً للانتهازيين والأفاقين عندما يتطور خارج القواعد والتنظيم والعمل المؤسسي، إذا لم يقم فعل الخير على ضوابط محددة سيقتحمه الانتهازيون ويتحول من الخير إلى وسيلة للسطو الناعم على أموال الناس وقد يتحول إلى ما هو أسوأ.

نتفق أن أصحاب البدل الصفراء الذين يجوبون الأحياء رمز للكفاح والتعب والفقر والأهم من هذا أن دورهم في خدمة المجتمع أعظم من دور الأطباء، وعي المجتمع بهذا الأمر يعد قفزة نوعية في التعامل الإنساني المؤسس على الضمير، مشكلتنا ليست في الضمير ولكن في إدراك من يستحق ومن لا يستحق، ما زلنا نؤمن بالعمل العفوي وما زالت أعمال الخير تقوم على المبادرات الفردية.

أتذكر أن كرس أحد الزملاء جزءاً من وقته وماله للتصدق على بعض سكان الرياض المعوزين، يتفق أسبوعياً مع أحد المطابخ التجارية على تأمين وجبة تكفي لعشرات من الأسر ثم يجوب الأحياء الفقيرة يوزع عليهم الطعام الطيب الطازج كل حسب حاجته، كان سعيداً بعمله رغم المشقة والكلفة، لم يكن ثرياً أبداً.

اتفقت معه من حيث المبدأ ولم أتفق معه على أسلوب التنفيذ، المبادرات الفردية مهما كانت رائعة قد تصبح محزنة في النهاية، سوف تصطدم بمعوقات عاطفية أيضاً، تجعل الإنسان أحياناً يزهد في فعل الخير، سوف يصادف نصابين وكذابين ومستغلين، سيكتشف أن طيبته ونبله محل استغلال واستغفال.

برزت هذه الأيام حملات مضادة للتصدق على أصحاب البدل الصفراء، بعد أن كانوا رمزاً للبراءة والضعف تحولت سمعتهم بالتدريج إلى مستغلين نصابين انتهازيين، هذا غير صحيح بالطبع، ما زالوا طيبين وبسطاء وضعفاء، الخطأ لم يأتِ منهم، الخطأ في أساس المبادرة الفردية العاطفية. مع أننا نعيش في مدن مكتظة ما زلنا نفكر بأسلوب القرويين عندما يأتي فعل الخير فينقلب الأمر ضده.