تسجيل الدخول

د. عبدالمجيد الجلاَّل: تناقض المصالح في الخلاف السعودي الروسي

كل الوطن - فريق التحرير15 مارس 2020آخر تحديث : منذ أسبوعين
د. عبدالمجيد الجلاَّل: تناقض المصالح في الخلاف السعودي الروسي

يبدو أنَّ الخلاف السعودي الروسي الحالي قد أنهى مرحلة التوافق والتنسيق بشأن أسعار وكميات النفط المنتجة بين منظمة أوبك من جهة ، والدول النفطية من خارج أوبك ، وفي مقدمتها روسيا ، من جهة أحرى. أو ما يٌعرف باتفاق أوبك بلس ، ومعه ، انتهت مرحلة استقرار أسعار النفط وانعكاسه الإيجابي على الاقتصاديات العالمية !

في اجتماع منظمة أوبك الأخير ، اتفق الأعضاء على تخفيض حجم إنتاج النفط ، إثر تراجع الطلب العالمي عليه ، خاصة من الصين ، مع انتشار فيروس كورونا، وبمعدل 1.5 مليون برميل يومياً ، ولكن كانت المفاجأة الروسية بالمرصاد ، فقد رفضت بشدة الالتزام بخفض كميات النفط المحددة .

إذ ، وفقاً ، للرؤية الروسية ، فإنَّ استمرار تراجع أسعار النفط ، سوف يزيد من الضغوط على الشركات الأمريكية المنتجة للنفط الصخري ، بما قد يؤدي في نهاية الأمر ، إلى إفلاسها ، أو تعطيل إنتاجها ، إذ أنَّ تكلفة إنتاج النفط الصخري تقترب من 49 دولاراً، فيما تصل تكلفة إنتاج النفط الروسي نحو 42 دولاراً ، وهذا الأمر مشجع لروسيا للاستمرار في إنهاك منتجات النفط الصخري الأمريكي ، والهيمنة أكثر على الأسواق المستهلكة للنفط.

بالتأكيد هذا الأمر ، لا يتماهى ، مع السياسة السعودية بشأن النفط ، خاصة علاقتها الممتازة مع الولايات المتحدة الأمريكية ، فيبدو أنَّها أرادت تأديب الجانب الروسي ، وإثبات أنَّها الرقم الصعب في السياسات النفطية على مستوى العالم ، فقررت على الفور زيادة الإنتاج ، إلى نحو 13 مليون برميل يوميا، بل إنَّ المملكة خفضت أسعار بيعها الرسمي لشهر أبريل ، بمقدار 6 إلى 8 دولارات، في محاولة لاستعادة حصتها في السوق وزيادة الضغط على روسيا.

على كل حالٍ ، مثل هذه القرارات السعودية أو الروسية ، بشأن النفط ، هوت بأسعاره ، وهوت كذلك بمؤشرات أسواق البورصات العالمية ، حيث تلونت باللون الأحمر. ومن ثمَّ ، فهي لا تخدم على المدى المتوسط ، مصالح البلدين ، ولا مصالح أعضاء منظمة أوبك ، وقد تؤدي إلى انهيارات إضافية في أسعار النفط ، تعبث بمؤشرات نمو الاقتصاديات العالمية.

صحيحٌ أنَّ السعودية ، تتمتع بميزة نسبية في تكلفة إنتاج النفط ، إذ أنَّ تكلفته ، ما بين 6 إلى 8 دولارات، وهي تكلفة منخفضة للغاية ، وأقل بكثيرٍ من منافسيها. كذلك ، هي المنتج المرجح ، أي القادر على ضبط الأسواق ، ولديها فائض إنتاجي عالٍ، كما أن لديها القدرة على خفض الإنتاج بشكل كبير، واقتصادها مرن، ويتحمل أي نقص، فيما لا توجد هذه الميزة لدى منافسيها. لكن السياسة السعودية تهتم في الغالب بالمحافظة على أسعار نفطٍ متوازنة، تخدم جميع مصالح الدول النفطية ، وتخدم كذلك استقرار الاقتصاديات العالمية ، وبالتأكيد انهيار أسعار النفط ، لا يخدم هذا الهدف ، أو ذاك .

أما روسيا ، فكما يشير تحليل “ناشونال إنترست” لديها القدرة على التعامل مع تراجع الأسعار بشكل أكبر، خاصة وأن ميزانيتها مبنية على سعر أقل للنفط عما هو عليه في السعودية ، ولكن ، ومع استمرار انخراط روسيا في حرب الأسعار ، قد تنخفض أسعار النفط إلى سعرٍ ، لا يخدم الاقتصاد الروسي ، الذي يعاني حالياً من ضغوط اقتصادية ، ماثلة في العقوبات الأمريكية المفروضة على روسيا ، جراء قضايا أوكرانيا وشبه جزيرة القرم.

لذا ، فإنَّ التفاهم السعودي الروسي ، في هذه المرحلة ، مهم جداً ، بالاتفاق على تقليل المعروض النفطي في الأسواق العالمية ، بما يخدم مصالح الدولتين ، على المدى الطويل ، ومصالح الدول النفطية ، والاقتصاد العالمي .

بالمناسبة ، روسيا أكدت أنَّ عودة التفاهم مع منظمة أوبك وارد ، وكما قال وزير الطاقة الروسي، ألكساندر نوفاك أنَّ الأبواب ليست مغلقة أمام التوصل لاتفاق مع دول مجموعة أوبك في المستقبل!
بحسب تقديرات بلومبرغ ، خسر الاقتصاد العالمي خلال أزمة تفشي «كورونا» على مدى الثلاثة أشهر أكثر من 2.7 تريليون دولار، وهو الرقم الكبير في مدة زمنية قصيرة لم يشهدها العالم منذ الأزمة المالية عام 2008.
القرار إذن بيد بوتين ، ولا يُعرف عنه التراجع ، بما يشي باحتمالية أمد أطول لهذه الأزمة ، ومن ثمَّ ستخسر كل الأطراف ، فالتراجع في الاستهلاك العالمي للنفط كبير جداً!

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.