تسجيل الدخول

د. فوزية ابو خالد: من العصر الكولوني إلى زمن الكورونا

كل الوطن- فريق التحرير18 مارس 2020آخر تحديث : منذ أسبوعين
د. فوزية ابو خالد: من العصر الكولوني إلى زمن الكورونا

لا بدّ أن الكثير من المهتمين بالقراءات المتنوعة قد قرأ في عموم الأدب العربي والعالمي وربما تحديدًا في أدب الواقعية السحرية الروائي الآتي من أمريكا اللاتينية أو في الفكر الفلسفي الآتي من الغرب الأوروبي مقولات لا تذبل ومقولات أخرى وإن خلناها من ماض سحيق فإن الأحداث لا تلبث أن تجددها مثل مقولة «الموت أن تصرخ مرة واحدة في العمر مما تتألم منه يومياً» أو «الحياة أن تعيش في عمر واحد ما عاشته البشرية في عدة قرون» أو كقول «لقد عشت إلى أن رأيت كل شيء، لكنني أحتاج عمراً جديداً لأروي ما رأيت»، وإن كنت أحب عبارة شعرية معاكسة لهذا السياق تقول «كلما طورتُ معلوماتي ظهرتُ تحديثات جديدة على لياقتي السابقة».

وربما نتيجة لظهور كورونا في الأجواء عبر الكرة الأرضية, بما يذكر بالإنفلونزا الإسبانية التي قيل أنه ذهب ضحيتها (الله لا يعيد الشر) من 40 إلى 50 مليون شخص بما سمي عالميًا بأثر رجعي بأعظم هولوكوست طبي وبما سماه أجدادنا في حينه بـ»سنة الرحمة», فقد رافقني شعور ملح طوال الأسبوع وأنا محبوسة في البيت إلا لزيارتين اضطراريتين سريعتين للمستشفى بأن أعيش مرة أخرى أحداث جيلي.

وهنا لا أدري إن كانت مساحة المقال ستتسع للاستعراض بنور أمي وإن مختصر لمجمل المواقف المفصلية العامة سعوديًا وعربيًا وعالميًا التي وعيتُ عليها, عشت أجواءها أو عشتها وعشتُ تبعاتها منذ كنتُ طفلة أو منذ بدأت كاميرا الذاكرة في تخزين ما يمكن الرجوع إليه بوضوح متفاوت من المواقف والأحداث والتحولات والمد والجزر, ولكن هذا لا يمنع من المحاولة. وتتبعي العاجل لتلك الأحداث لن يعتمد فقط على قوة ذاكرتي، بل سيعتمد أيضاً على قوة الحالة ودرجة تأثيرها على الفكر والسلوك, على الثقافة والقيم والمفاهيم والتاريخ الاجتماعي. فدرجة تأثير الحدث على المجرى الحياتي المجتمعي أو الذاتي هي المسؤولة عادة عن محوها أو حفرها في الذاكرة الفردية والجمعية بشكل عام وعلى الأخص في ذاكرة وحياة الجيل أو الأجيال التي مرت بها وعاصرتها في ظرف ومكان محدد أو متعدد.

***

– أول حدث فتحت عيوني عليه وعرفتٌ أنه حدث مروع من خلال معلمات المدرسة فلاحظنا لأول مرة أنهن يخبئن «راديو الترانزستور» في حقائبهن ويسترقن السمع للأخبار ويبكين سراً, تمثل فيما تعلمنا مع كل سنة من سنواتنا اللاحقة أنه واحد من أفظع أحداث القرن العشرين في التاريخ العربي، لأنه لم يضيع فقط ما تبقى من أرض فلسطين ويضع ما تبقى من شعبها في حصار استعماري دائم بل لأنه قد أضاع الحلم السياسي والجمعي في نهضة عربية مستقلة ومتحررة من كل أشكال الوجود الأجنبي الإكراهي.

– الحدث الثاني الذي ارتقى في «وجداننا المدرسي» أيضاً لمستوى الخطب الجلل، كانت هزيمة الملاكم الأمريكي المسلم محمد علي كلاي أمام خصمه فريزر، ولعل جيلي لا ينسى تلك الدموع الحرى التي بكاها تلاميذ المدارس على تلك الهزيمة التي بدت وكأنها الهزيمة الرياضية الموازية لهزيمة الأيام الستة السياسية التي عرفت بالنكسة.

– ولم يخفف وقع تلك الهزيمة إلا ما هو أقسى منها وتمثل في حريق القدس وسقوط المسجد الأقصى في يد الاستعمار الصهيوني الإسرائيلي.

– إلى أن جاءت بارقة شهر رمضان الموافق أكتوبر 73م بما بدا أنه انتصار عربي، وخروج من مذلة نكسة 67م، التي انتهت في حينه بتلك المقاطعة العربية التاريخية للنظام المصري على أثر تهور رئيسه أنور السادات بالتطبيع مع العدو الإسرائيلي الذي أدى إلى مقتله.

– ويبقى من ذلك الحدث مفصلية هامة ومؤثرة وهي مبادرة الملك فيصل بن عبدالعزيز لقطع النفط إبان حرب 73 وأثرها العميق لجهة استقلال الموقف العربي من ناحية وأثرها الأعمق لجهة أخذ علاقة المملكة العربية السعودية بالنفط وشركاته الأجنبية ودوله إلى مرحلة غير مسبوقة في تاريخ علاقة المملكة السياسية والاقتصادية بالنفط بما أنعكس بعضه على ما عرف بطفرة النفط (الأولى).

– هناك سلسلة من الأحداث السابقة واللاحقة على مستوى سعودي وعربي وإقليمي وعالمي, ومنها مدّ الحركة الهيبية في أوروبا وأمريكا الشمالية بآثارها الاقتصادية والثقافية العميقة, هزيمة أمريكا في فيتنام وانسحابها منها, إخراج الرئيس الأمريكي نيسكون من البيت الأبيض على أثر فضيحة ووتر جيت.

– ومن أهمها سعوديّاً الخسارة باستشهاد الملك فيصل, حادثة احتلال الحرم المكي الشريف, وخطط التنمية الخمسية وقيام مجلس التعاون الخليجي, وتغير وجهة بوصلة التحولات على مستوى سعودي خاصة وعلى مستوى عربي عام نحو مدّ ديني محافظ.

– أما على مستوى عربي وإقليمي وعالمي فقد كان هناك حرب لبنان الطاحنة, الاجتياح الإسرائيلي للبنان, خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان, وسقوط نظام الشاه بإيران وقيام الثورة الإسلامية بمدها الطائفي.

* طبعاً هناك ضرب المفاعل النووي العراقي من قبل دولة العدو الإسرائيلي, حرب الثماني سنوات بين العراق وإيران والتي كان لها أثار متفاوتة على عموم الوطن العربي ودول الخليج خاصة. هناك على مستوى دولي انفجار تشرنوبل بالاتحاد السوفيتي سابقاً, احتلاله العسكري لأفغانستان وحرب أفغانستان الطويلة الأمد بتبدل معسكراتها وأقنعة قوادها وتعدد ضحاياها.

– هناك حدث الأحداث عاصفة الصحراء الذي جلب قوى العالم، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية إلى المنطقة بما سمي بحرب الخليج الثانية على أثر رعونة نظام البعث الصدامي في خطوته الإجرامية باحتلال الكويت.

– وقد شكل سقوط النظام الشيوعي بالاتحاد السوفيتي وإلحاق سقوط جدار برلين به وتشرذم اليسار العالمي والعربي بطبيعة الحال مفصلاً آخر من مفاصل تخلخل منظومة النظام العالمي المتعارف عليه خلال القرن العشرين. وبما جرى في ظلال تنامي منظومة نظام دولي جديد من تصفية القضية الفلسطينية كحركة مقاومة وطنية وتحويلها إلى مشروع تسوية غير متكافئة ولا عادلة.

– إلى أن استهلت الألفية الثالثة من القرن الواحد والعشرين بكارثة الحادي عشر من سبتمبر، وما ترتب عليها من تغير جذري على مستوى عالمي وعلى مستوى محلي؛ عدا عن التداعيات الموجوعة والحروب المجنونة الآثمة التي تعرض لها العالم العربي من حرب أمريكا على العراق إلى التداعيات الماحقة للشعوب التي مرت بها المنطقة على أثر الربيع العربي.

***

إذن فقد شهدتُ وشهد جيلي حروب التحرر والحروب المضادة، حروب الهيمنة الكبيرة والمقاومات الصغيرة.. شهدنا رغوة اليسار وذروة اليمين, حقبة الكولونية الأوربية والإمبريالية الأمريكية وحقبة المركزية الغربية وحقبة الحداثة وحقبة ما بعد الاستشراق وما بعد الحداثة. وقد عبرنا من حقبة الاتصال اللاسلكي والتلفزيون والـ»ستلايت» إلى حقبة الإنترنيت والـ»واي فاي» والهواتف الذكية والـ»ويرليس». فعايشنا المد والجزر العلمي والسياسي والفكري من حقبة التجول على سطح القمر إلى حقبة حظر التجول الجمعي على سطح الأرض والمتمثلة اليوم في هذه المواجهة الإنسانية العالمية المريعة في الحرب على فيروس الكورونا.

لا أظن إلا أن كلاً منّا اليوم في جيلي يسأل نفسه ماذا بقي لم يمر بنا بعدُ، مما قرأنا أو سمعنا عنه من كوارث الماضي العسكرية والإنسانية والتحولات السياسية والانفرجات والاختناقات، خاصة ونحن نعيش لحظة بلحظة رعب ما سمعناه من الجدات والأجداد تجاه الأوبئة. كما لا أعتقد أن أيّاً منّا في أحلك الكوابيس كان يظن بأنه ستمر على البشرية في هذا العصر المتقدم علميّاً وطبيّاً هذه اللحظة الجارحة الحرجة التي يشترك فيها سكان الأرض قاطبة في مواجهة مصيرية بهذا الحدة وبهذه الريبة إزاء عدو مشترك خطير يتمثل في اجتياح وبائي عام أعمى لا يفرق بين أمة متقدمة أو أخرى متخلفة كما لا يفرق بين فقير أو غني، أبيض أو أسود.. فنذوق جميعاً مشتركات هذه التجربة القاسية بقلقها وأملها بما فيها من رعب ممض خشية فقد الغوالي وبما تبثه في النفوس من مخافة الخسارات الإنسانية الفادحة. لذا فإن مشتركنا الإنساني المقابل في هذا الوقت الذي لا يملك فيه أيّ منّا أمام إغلاق دور العلم ودور العبادة والأماكن العامة من الأمر شيئاً هو مشترك المقاومة السلمية بإرادة الحياة وبكل ما نملك من حس مسؤولية الاستخلاف على الأرض.

وأبسط مبادئ ذلك الالتزام بالإجراءات الوقائية، تسخير كل ما يملكه رأس المال العام والخاص لخدمة البحث العلمي لمواجهة الوباء مع عدم الكف عن الاستشفاء بالتضرع والدعاء.


دكتورة فوزية ابو خالد

الجزيرة

كلمات دليلية
رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.