تسجيل الدخول

وسمية القحطاني: “التيك توك” يكتسح

كل الوطن - فريق التحرير28 أبريل 2020آخر تحديث : منذ 3 أسابيع
وسمية القحطاني: “التيك توك” يكتسح

منذ بداية الأزمة الكورونية، وأنا كغيري أتابع آخر المستجدات والاخبار عبر المواقع والصحف الرسمية، بالإضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي -بطبيعة الحال-، ومن الأمور التي لفتت نظري، “وسم” أُطلق في تويتر الأسبوع الماضي، ينادي بحظر تطبيق التيك توك وأشباهه من التطبيقات، وقد كنت قبلها قد سمعت عنه كثيراً، لكن لم أعره اهتماماً يذكر، لكن ومن باب “الحكم على الشيء فرع من تصوره”؛ حملت هذا التطبيق لدي، وبدأت أتابع ما ينشر به، وقد آلمني كثيراً ما رأيت وما شاهدت؛ فلم أتوقع أن يصل التسطيح والتمييع الفكري لدى الصغار إلى هذه الدرجة المفجعة.

ما هالني حقاً هو اكتساح “التيك توك” شريحة الأطفال والفتيان والمراهقين، الذين يبثون ويتابعون ما لا يجب أن يُبث ولا يُتابع في الأصل، ففي الآونة الأخيرة تعدى مستخدمي هذا التطبيق مرحلة تقليد الأغاني، أو إعادة تمثيل المشاهد، إلى مرحلة متقدمة من الإسفاف والسخف، فهؤلاء المراهقون والمراهقات يقضون الساعات الطوال في أروقة هذا التطبيق دون حسيب أو رقيب، وبدون أدنى مسؤولية من أنفسهم أو تردد من نشر فيديو مخل أو غير لائق، وكل هذا في سبيل زيادة عدد المشاهدات ومن ثم الانتشار، بغض النظر إن كانت هذه الشهرة إيجابية أو سلبية أو تصاحبها سخرية أو إشادة، لا فرق المهم الانتشار.

وخلال كتابتي لهذا المقال وجدت تقريراً لهيئة تنظيم قطاع الاتصالات في الأردن، وضحت به مدى خطورة هذا التطبيق على المراهقين والأطفال، وتشير الهيئة إلى أنه وفقاً للإحصاءات الواردة من الشركات المزودة لخدمة الإنترنت في الأردن، فقد ارتفع استخدام تطبيق “تيك توك” منذ بداية أزمة فيروس كورونا بمقدار 25%، وبحسب الإحصاءات العالمية، لوحظ زيادة في استخدام التطبيق، حيث وصل حجم تحميل التطبيق عالميا وفق آخر إحصاءات العام السابق بما يقارب 1.5 بليون، وتقّدر مدة الاستخدام للتطبيق بنحو 52 دقيقة يومياً، كما يقّدر بأن 9 من أصل 10 مستخدمين للتطبيق يدخلونه عدة مرات يومياً، أي أن 90% من مستخدمي تطبيق “التيك توك” يستخدمونه عدة مرات يومياً.

ونحن لسنا بعيدين عن الأردن؛ فنحن جزء من هذا العالم الذي أصبح بين أيدينا من خلال هذه الأجهزة التي نتصفحها..
فما الحل إن أصبح العالم بين يدي طفل أو مراهق؟
أي حماقات سيتابعها؟ أو أي مقاطع سيبثها؟
خصوصاً أنه سيقلد ويحاكي ما يراه إن كان خيراً او شراً، وهو ما ينذر بجيل بعيد عن العلم والثقافة والمعرفة والجدية في التحصيل العلمي أو التفكير الإبداعي، نخشى من جيل ليس له هم إلا كم عدد المشاهدات، أو كم عدد المتابعين لمشاهد سخيفة سطحية بطريقة مقززة.

ولا أستطيع هنا أن ألقي باللوم على الأهالي الذين تركوا لأبنائهم وبناتهم الحرية المطلقة في استخدام هذا التطبيق وأشباهه وحدهم، بل المسؤولية مشتركة من جميع أفراد المجتمع، من أخصائيين اجتماعيين وتربويين وكل من أدرك هذا الانجراف الذي أخشى أن لا تحمد عقباه لاحقاً، فإلى أي درجة وصلت بنا الحال لنترك هؤلاء الأطفال والمراهقين في فضاء مفتوح، لا يفصل بينهم وبين أن يقعوا فريسة للتحرش أو الاستغلال أو الابتزاز أي حاجز؟ قد يظن البعض أو يتوهم أنه طالما كان الطفل او المراهق في البيت فلا خوف عليه، ولم يعلموا أن بيت هذا المراهق او المراهقة أصبح بلا جدران أو أبواب مع هذا التطبيق للأسف، وأن الخطر قد يداهمه وهو في غرفته كما يمكن أن يداهمه وهو في الشارع، بل قد يكون الأسوأ من هذا كله أن يكون ابنهم هو مصدر هذا الخطر، حين يجد نفسه حراً في بث ومتابعة ما يريد دون خوف أو رادع أو رقابة.

لا نريد لأبنائنا إلا كل خير، فلا نريد أن نحرمهم أن يكونوا جزءا من هذا العالم وحراكه، ولا نريد أن ينجرفوا وراء كل ما يروه في العالم الافتراضي، خصوصاً إن علمنا أن ثلث سكان المملكة تقريباً بحسب آخر إحصائية للهيئة العامة للإحصاء هم بعمر أقل من 30 عام، لا أريد أن أغفل أو أنكر أن للبعض مواهب في التقليد أو التمثيل أو مواهب كوميدية تستحق التشجيع والتنمية، وآخرون لم يجدوا سوى هذه النافذة الافتراضية تحتوي ما يقدمون من هوايات مختلفة، فلماذا لا تكون لدينا هيئة استكشافية للمواهب الواعدة، أو تعاون مع أكاديميات تدعم مثل هذه المواهب وتصقلها، لتكون أداة فاعلة في المجتمع وتصرف وقتها ومواهبها بالشكل الصحيح، ولو أعطيت الفرصة لهؤلاء الناشئة للظهور من خلال منصات رسمية أو برامج معتمدة، سيكون هذا سببا في الارتقاء بنوعية الطرح الذي نراه وسيكون الهدف إثبات البراعة والمهارة والإتقان بعيدا عن التهريج والإسفاف الذي نراه الان.

يقول مصطفى صادق الرافعي: “الشباب هو القوة، فالشمس لا تملأ النهار في آخره كما تملؤه في أوله!”.

وسمية القحطاني – طالبة دراسات عليا

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.