مصطلح قديم (رفة الفراشة) ابتكره (إدوارد لورينتز) عام 1963م؛ حتى يصل الأمر إلى أن البعض اعتبرها نظرية فيزيائية، لما يكتنف هذه النظرية من خواص الحركة. ويعضد هذا القول من هذه النظرية قول “( يوهان غوتليب فيشته) في كتابه (The Vocation Of Man-1800): لا يمكنك إزالة حبة رمل واحدة من مكانها دون… تغيير شيء ما عبر جميع أجزاء الكل اللا محدود”.

وبالرغم من اعتبار هذا المصطلح ذو شأن فيزيائي، إلا أن الكثيرين اعتبرها نظرية فلسفية، لما يكتنفه من زوايا متعددة من الرؤى الفلسفية بل والاجتماعية أيضاً لأننا إذا ما طبقناها على بقية العلوم المعرفية المختلفة لوجدنا لها تلك الأصداء التي تتعدى بكثير حدود الفيزياء وعلوم الحركة!. وقد اعتبره البعض أنه من أولى بذور الفوضى، لما يتركه حدث متناه الصغر من فوضى تعم كل الجوانب وكل الاتجاهات كما ذكر (فيتشة) في مثاله من حبة الرمل المتداعية وما تحدثه من فوضى عارمة في المحيط المتداع.

وكل ما يهمنا من استدعاء هذا المصطلح هو الأثر الكبير في ذلك التداعي الذي ينشأ من فعل صغير قد لا يعتد البعض به سوى أنه مجرد رفة صغيرة دونما الحذر منه بأنه محرك كبير قد يصل إلى حد قد لا يتخيله بشر، سواء كان في الشأن الاجتماعي أو حتى في الشؤون السياسية، والساسة دائماً على حذر شديد لما يتدارسونه في علومهم من أن النار تنشأ من مستصغر الشرر كما قال أسلافنا.!

ونحن نعلم أهمية تطور الحدث كـ (كتاب دراميين) فنستخدم هذا الفعل في الكتابات الدرامية فيما يسمى في حرفية الكتابة وعلومها (الهجوم على الوسط الساكن) وكأنك تقذف بحجر في مياه راكدة محدث تلك الدوامات المتلاحقة واحدة تلو الأخرى ومن هنا يمكننا توليد الصراع فيما يسمى دراميا بـ (تعارض الرغبات) ففي لحظة ما يغير حياة جميع الشخصيات وينشأ الصراع.

وإذا ما تأملنا مصطلح رفة الفراشة هذا كتعبير مجازي وما فعله بعد اغتيال الأرشيدوق النمساوي فرانز فرديناند ابن حاكم النمسا أنذاك في 28 يونيو 1914 في أثناء زيارة إلى سراييفو عاصمة البوسنة والهرسك حينما اعترضه (غافريلو برينسيب) فيطلق عليه الرصاص فيرديه قتيلاً.

إنها تبدو حادثة اغتيال من جماعة أو تنظيم أو شخص فاقد التفكير فقل ما تشاء فلسنا هنا بصدد التأريخ لواقعة معينة؛ وإنما الأمر هنا يتعلق بهذا المصطلح الذي لو تنامى إلى وعينا مدى خطورته لما فرطنا في أي تفصيلة صغيرة من تفاصيل حياتنا بشكل عام. فلقد قادتنا تلك الحادثة إلى الحرب العالمية الأولى (يوليو 1914 وانتهت في 11 نوفمبر 1918) والتي أفنت معظم سكان الأرض إن جاز التعبير. ولا نستثني من تاريخنا العربي أيضاً وفي زمن الجاهلية حرب (داحس والغبراء) بين عبس وذبيان، بسبب ناقة، فكانت من أطول الحروب التي عاشها وخاضها العرب حينذاك!. هذه هي رفة الفراشة ذلك الحدث الهين الصغير كرفة جناح الفراشة في تناهي صغرها، إلا أنه يتطور حتى يسحق معه الأخضر واليابس.

فقد بدأت الثورة في تونس بمقتل أبو عزيزية ذلك البائع المتجول البسيط، فلم يلبث الحدث إلا أن تتسع دائرته في تونس بأجمعها، ثم يتطور الفعل الى ذلك الفعل الدرامي المأسوي والتراجيدى بمقياس أرسطو، يعم كل أرجاء الوطن العربي الذي لم تطفأ ناره حتى يومنا هذا! من ذا الذي ينتهي تفكيره إلى أن يصل الأمر في الولايات المتحدة الأمريكية إلى هذا الحد؛ والتي نعتبرها إحدى دعائم الديموقراطية والمساواة وأرض العدل والجمال؛ وليس هذا مجرد ظن أو تكهن وإنما لما يسطره التاريخ بأن هذه البلاد هي بلاد الإنسان وهم أيضاً دعاة الإنسانية ورعاة حقوق الإنسان على حد قولهم وكما يدعون.! ولكننا نرى رفة الفراشة تلك تنبثق من مقتل رجل ملون (جورج فلويد) على يد أحد أفراد الشرطة الأميركية، وهو فعل تطور إلى اشتعال النار في أنحاء أكبر بلاد العالم وأعظمها قوة واقتصاد وعلوم وضبط وقل ما تشاء. ومن هذا وذاك سواء كان من تاريخنا العربي أو حتى العالمي يجب أن نحسب حساب التفاصيل وعواقبها على مستوى الأفراد أو المؤسسات، أوحتى العائلة الواحدة، فنحن في زمن لا يحتمل الهزات والمغامرات، فالمتربصون كثر، والفوضى ودعاتها الجدد يصنعون التفاصيل بين أجنحة الفراشات، ونحن – كعرب- في ردهة الزمن ننتظر وقد لا ننتظر في لحظة خاطفة إذا لم نعِ لأوطاننا ونعلم أن الدوائر المغلقة تنتظر أجنحة الفراشات الملونة ترف رفتها، لإكمال ما لديهم من أفاعيل إبليس لا قدر الله، فالشيطان يكمن في التفاصيل كما قيل؛ ذلك لأن شيئاً ما ربما يكون بسيطاً للوهلة الأولى، إلا أنه يتطلب جهوداً غير متوقعة وفعلاً قد يتسع مداه لا قدر الله.