تسجيل الدخول

الثأر الأمريكي من تماثيل الاستعمار والعبودية!

كل الوطن - فريق التحرير17 يونيو 2020آخر تحديث : منذ 6 أشهر
الثأر الأمريكي من تماثيل الاستعمار والعبودية!

ما يجري اليوم في الولايات المتحدة الأمريكية خاصة ، وأوروبا ، وبقية دول العالم عامة ، من احتجاجات ومظاهرات ، تستهدف العنصرية ، ودعاتها ، وأربابها ، يحمل في طياته ، الكثير من المعاني والمتغيرات الجارية حالياً في داخل المجتمع الأمريكي ، وخارجه!

والأكثر إثارة في هذا المشهد الدرامي ، توجه عام ، وبمساندة شعبية واسعة ، إلى تتبع تماثيل لرموز وشخصيات تاريخية ، كانت مواقفهم ، مؤيدة تماماً، للتوجهات العنصرية ، بل وحتى في دعمها!

في الولايات المتحدة الأمريكية ، بدأت حملة واسعة ، لإزالة تماثيل قادة الكونفدرالية الأمريكية ، التي ترمز إلى مرحلة قاتمة من التاريخ الأمريكي ، المرتبطة بحقبة العبودية والاستعمار، وهي تماثيل لقادة الولايات الجنوبية ، التي قاتلت خلال الحرب الأهلية بين أعوام 1861- 1865 لنصرة ودعم نظام العبودية، وبقائه ، فأطاح المحتجون بتمثال رئيس الاتحاد الكونفدرالي جيفرسون ديفيس ، المؤيد للعبودية ، المُقام في مدينة ريتشموند بولاية فرجينيا ، التي كانت عاصمة للاتحاد زمن الحرب الأهلية.

كذلك ، جرى تحطيم وإزالة تمثال المكتشف والرحالة كريستوفر كولومبوس ، وأُلقي به في بحيرة ، في مدينة سانت بول ، في ولاية مينيسوتا ، كما تعرضت تماثيل كولومبوس في كلٍ من بوسطن ، وماساشوسيتس ، وميامي ، للتخريب ! وبالمناسبة يحتفي الأمريكيون بذكرى كولومبوس ، ويُنسب إليه ، اكتشاف العالم الجديد ، أي الأمريكيتين ، في القرن الخامس عشر ، وقد تضمنت الكتب المدرسية الأمريكية اكتشافاته وإنجازاته ، لكن نشطاء من السكان الأصليين ، كانوا على الدوام ، ضد تكريم كولومبوس ، ويرون إنَّ بعثته ، قد أدت إلى الاستعمار ، وإبادة أجدادهم !

وفي مدينة ديربورن بولاية ميشيغان الأمريكية ، أُزيل تمثال لأكثر العمداء بقاءً في منصبه ، واسمه أورفيل هوبارد ، الذي كان مؤيداً لسياسات الفصل العنصري ، أثناء فترة عمادته التي استمرت 35 عاماً.

كما أزالت سلطات فيلادلفيا تمثال مفوض الشرطة السابق فرانك ريزو ، الذي أُشتهر بعنصريته ، بعد أن شوَّه المحتجون صورة التمثال.
كما قرر حاكم ولاية فرجينيا إزالة تمثال للجنرال روبرت لي الذي عُرف برفضه المساواة بين البيض والسود ، كما تقرر إزالة تمثال للجنرال نفسه ، من داخل حرم جامعة تكساس.

وشهدت المملكة المتحدة خطوات مشابهة لإزالة التماثيل ، المرتبطة ، بالعبودية ، فتمت الإطاحة بتمثال تاجر العبيد إدوار كولستون في مدينة بريستول، ورُمي بالنهر، وهو تاجر من القرن السابع عشر ، حقق ثروته الطائلة من خلال استثماره في الشركة الملكية الأفريقية التي تخصصت في شحن العبيد من أفريقيا إلى جزر الهند الغربية ، إلا أنَّ مجلس المدينة ، عثر على التمثال ، وقرر الاحتفاظ به في مكان آمن ، قبل وضعه بصفة نهائية في متحف .

كما تمَّ إزالة تمثال تاجر آخر للعبيد ، هو روبرت ميليغان ، ولم يسلم تمثال الزعيم البريطاني الشهير ونستون تشرشل ، من الأذى ، فقد لُطخ بالدهان في ساحة البرلمان وسط العاصمة لندن.

ومن بريطانيا إلى بلجيكا تتساقط تماثيل رموز العنصرية ، كما تتساقط حجارة الدومينو ، من دولة إلى أخرى ، ومن مدينة إلى أخرى ، ففي بلجيكا تمَّ استهداف تماثيل للملك ليوبولد الثاني ، الذي اعتبره مؤرخون مسؤولاً عن انتهاكات عنصرية فادحة ، ضد سكان الكونغو ، زمن الاستعمار ، وأثناء المظاهرات ، اعتلى المتظاهرون تمثالاً له ، ورفعوا علم جمهورية الكونغو الديمقراطية ، مرددين هتافات ” قاتل ” إشارة إلى الملك !

على كل حالٍ ، ما مضى ، عينة من الهجمات الدائرة حالياً ، ومُستهدِفة ، تماثيل لرموزٍ وشخصيات تاريخية ، كانت مؤيدة أو داعمة للعنصرية واسترقاق العبيد ، في أزمانٍ مختلفة!

يقودنا كل ما سبق، إلى التساؤل عن مدى وجاهة تحطيم هذه التماثيل ، ولماذا يتعرض الثوريون والمحتجون الغاضبون لها ؟
في الغالب ، تقيم الدول والشعوب النصب والتماثيل اعتزازاً برموزها، وتخليداً لمواقفهم الوطنية والإنسانية وتضحياتهم، ورغبة منها في إشاعة معانٍ أخلاقية، وسياسية سامية حفلت بها سِّير هؤلاء ، ومحطات حياتهم.

وفق هذا المنطلق ، فإنَّ من ارتبطت أنشطتهم وتجارتهم باسترقاق العبيد ، وممارسة العنصرية بأوسع أبوابها ، لا يستحقون نصب تماثيل لتكريمهم ، فهذا الأمر ، يرمز لتمجيد قِيم الظلم والطغيان، وهو ما استفز ، ولا يزال الشارع المُناهض للعنصرية !
وفي الوقت نفسه ، فإنَّ تحطيم هذه التماثيل ، لا يمكن القبول به ، إذ أنَّ مكانها الطبيعي في المتاحف ، ليطلع الزائرون ، على حقبةٍ إنسانية وثقافية ، مضت بما لها ، وما عليها!

خلاصة القول : هذه التماثيل التي ترمز إلى زمن العنصرية ، مكانها في المتاحف، وليس في الشوارع والميادين العامة، وهي جزء من الموروث القديم، شئنا أم أبينا، علينا أن نطَّلع عليه ، برمزيته ، وأشخاصه ، دون تعديل أو إضافة ، وذلك ، للعبرة والعظة!

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.