الرجل الذي تعلّم هذا الدرس، لم يُعطَ أي اهتمام في تاريخ كتبنا، ومسار تعليمنا، واتساع دائرة معارفنا. فقد زُجّ به في مقبرة النسيان، ليظلّ خارج مشهدنا الثقافي – السوسيولوجي إلى يومنا هذا، رغم ذكره بشكل عرضي من حين لآخر.

هذه الحادثة التي مرّ عليها 128 سنة، وُضعت خلف الصورة البرّاقة لثورة النساء في مصر حين كانت “أمّاً للدنيا” وفي مقدمتهن السيدة هدى شعراوي القوية، بما أمكن لهذه السيدة من إبهارنا بمسارها الثوري لتصحيح الواقع الاجتماعي المزري لبنات جنسها سواء في مصر أو في العالم العربي الذي امتدت إليه شيئاً فشيئاً شرارة ثورتها، حتى أصبحت “الشعراوي” شعاراً تتغنى به نساء كثيرات من الخليج إلى المحيط.

هذا الرجل الذي تحوّل شبحاً منسياً كان الزوج الأول لهدى شعراوي نفسها، والتي احتفل “غوغل” بعيد مولدها الـ141 مؤخراً، مذكراً أن تاريخ النضال النسائي في العالم العربي لا يجب أن ينسى فضل هذه السيدة، لكن الحقيقة هي أن ما تصبو إليه المرأة من احترام في مجتمعنا لا تصنعه امرأة ولا امرأتان، ولا ستون ألف امرأة، ما لم يكن مُشَكّلاً من وعي كامل مشترك بين المرأة والرّجل.

هدى الشعراوي نفسها طوت صفحة زواجها الأول، وجاءت بعدها نساء كثيرات ناضلن من أجل تغيير قوانين مجحفة في حقهن، لكنهن خلال تلك الثورة المليئة بالصراعات مع الأسرة والمجتمع، أسقطن من ذاكرتهن الرجال الذين أخطؤوا في حقهن، وصححوا مساراتهم بعد خوض التجربة الخاطئة. أُسقِط أيضاً رجال آخرون كانوا دعامة أساسية لدخول النساء إلى المدارس، والجامعات، ومنقذين حقيقيين لنساء كثيرات ممن أخفقن في إيجاد أزواج لإعالتهن من معاناة محتملة.

المحزن أنه ظلّ في الواجهة الإعلامية رجال من النوعية السيئة، تلك التي ألفنا لغتها التدميرية لكلا الجنسين، بمحتوى فكري فقيرٍ جداً لا يتجاوز لباس المرأة والانتقاص من حقوقها المادية، مستحوذين على المكانة التي يفترض أن تكون من نصيب رجال ذوي حكمة، يبرزون ما اكتسبوه من خبرات حياتية، دون خوف من البوح الإيجابي بالتغيير الذي حدث في حياتهم.


فضيلة الفاروق