تسجيل الدخول

وسمية القحطاني: بين القيمة المضافة والطبقة الوسطى

كل الوطن - فريق التحرير4 يوليو 2020آخر تحديث : منذ 3 أشهر
وسمية القحطاني: بين القيمة المضافة والطبقة الوسطى

لم يكن تصريح معالي وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، “إن المملكة تعمل على ترشيد الإنفاق الحكومي لمواجهة تداعيات جائحة فيروس “كورونا كوفيد 19″، من فراغ، بل كان نابعاً من شدة وطأة الأزمة التي يمر بها العالم، والتي لم نشهد مثلها منذ الحرب العالمية الثانية بحسب تصريح معالي الوزير.

من خلال هذا التصريح نستطيع استشراف المستقبل الذي ينتظرنا في العالم ككل وفي المملكة على وجه الخصوص، بل إننا نعيش اليوم تداعيات هذه الأزمة ونلمس تأثيرها المباشر علينا، من خلال الضريبة التي فرضت مؤخراً -التي اضطرت لها دولتنا اضطرارا- وبدأ العمل بها قبل بضعة أيام، وبالنظر إلى هذا الاجراء الجديد، نرى أن المتأثرين بالدرجة الأولى هم المستهلكين بكافة مستوياتهم، لكن سنجد الأثر الأكبر يقع على المنتمين للطبقة الوسطى، وهم يشكلون ما يقارب ثلث سكان المملكة، بحسب دراسة أجراها الدكتور حسن العالي عام 2013، وبعد ضريبة القيمة المضافة قد نشهد تآكل أو تضاؤل هذه الطبقة، لعدم قدرتها على الإنفاق الذي سيكون جلّه متجه للأساسيات في الغالب.

وتقع أهمية هذه الطبقة في أنها تزيد من الطلب على السلع والخدمات المحلية، وتساعد على دفع النمو الاقتصادي الذي يقوده الاستهلاك، مما يجعلنا أمام مشكلة حقيقية في حال تآكلها، ولكي نحافظ على هذه الطبقة ونعمل على زيادة قاعدتها، فنحن بحاجة إلى أن نغير مفاهيم المجتمع من حيث حجم الاستهلاك والانفاق.

فما وصلنا إليه مؤخراً من هوس الشراء والاقتناء، يذكرنا بما كان عليه المجتمع أيام الطفرتين اللتين مرّ بهما مجتمعنا، خصوصا الطفرة الأولى في بداية الثمانينيات الميلادية، حين وجد المواطن نفسه وقد فتحت له خزائن مال ظن أنها لن تنضب، مما جعلنا نشهد ظاهرة الهدر والبذخ في المناسبات الاجتماعية التي وصل الحال بالبعض إلى التباهي والتفاخر بكميات الطعام المقدمة أو الهدايا الفاخرة أو إرهاق الشباب بالمهور المرتفعة، وما يصاحبها من حفلات باهظة لا يتخلص الشاب من تبعاتها إلا بعد سنوات طويلة، فبدلا من أن نحصل على أسر تنتمي إلى الطبقة المتوسطة من المجتمع نجد انفسنا أمام سيل من الأسر التي بالكاد تعيش على خط الكفاية أو ربما أقل منه.

وهذا كله بسبب المبالغة المرفوضة، وسنجد الصدمة الحقيقية في تصريح نشر بتاريخ 2 إبريل 2020م لمعالي وزير البيئة والمياه والزراعة المهندس عبد الرحمن بن عبد المحسن الفضلي ذكر بأن هدر الغذاء يكلف المملكة 40 مليار ريال سنوياً، فيما تبلغ نسبة الغذاء المهدر أكثر من 33%، أكاد أجزم أن معظم هذا الهدر منبعه المناسبات الاجتماعية وغيرها، التي كانت حاويات النفايات تمتلئ بالكامل وتفيض بجوارها أكوام الطعام في مناظر مؤلمة لا نملك معها إلا أن نتمنى عدم زوال النعمة وتحولها عنا، ولا ننسى تداول صور لأرتال كاملة من الأرز واللحم على قارعة طريق في احدى مناطق المملكة عقب مناسبة زواج.

الآن ومع هذه الظروف لا بد من أن نستوعب الدرس ونفهم الواقع، وما نحن بصدده في قابل الأيام، وكلنا سمعنا كلمة معالي وزير المالية محمد الجدعان عندما قال: ” إن العالم والمملكة لن يعود لما كان عليه بعد كورونا لتغير الأنشطة الاقتصادية.” كذلك نحن وإنفاقنا واستهلاكنا، بل قد يصح أن أقول إسرافنا، وهو ما يجعلني أشير بأننا ما نحتاج إليه في الفترة القادمة هو الاعتدال والتوسط في الإنفاق، فما كان شبه ضروري في الماضي فهو غير ضروري في الحاضر، وعليه نقيس كل ما نقتنيه دون فائدة تذكر سوى هدر المال وصرفه بغير حكمة أو لغير منفعة حقيقية.

ومن ضمن الأمور التي فرضتها الظروف الكورونية هذه الأيام ولفتت نظري وأتمنى أن تصبح ثقافة أصيلة في مجتمعنا: حفلات الزفاف المختصرة والبسيطة المقتصرة على عدد محدود من الضيوف، وسيجد هؤلاء فائدة هذه الحفلات البسيطة إن علموا أنهم وفروا ما يقارب 50 الف إلى 100 الف ريال وربما أكثر، هي قيمة حفلة زفاف وتكون غالباً قرض يتحمله الشاب، وهذه فرصة لابد من استغلالها للعودة إلى السنة النبوية المطهرة و البساطة والعقلانية في الانفاق وعدم التبذير الذي لا طائل منه سوى الديون والقروض، قال النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مَؤونَةً”، وقال تعالى في سورة الأعراف (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، فما أحوجنا في هذه الأيام أن نتمثل لهذا المنهج الرباني كي نخرج من الأزمة بأقل الخسائر.

كورونا بتداعياته الاقتصادية، سيصحح لنا مسارات اجتماعية خاطئة، برغبتنا أو رغما عنا.

وسمية القحطاني: طالبة دراسات عليا

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.