وسمية القحطاني: نعم.. آن أوان الفلسفة

كل الوطن - فريق التحرير
كتاب وأقلام
كل الوطن - فريق التحرير26 نوفمبر 2020آخر تحديث : الخميس 26 نوفمبر 2020 - 1:31 مساءً
وسمية القحطاني: نعم.. آن أوان الفلسفة

“الذي لا يعرف أن يتعلم دروس الثلاثة آلاف السنة الأخيرة، سيبقى في العتمة”
غوته

لم أستطع تجاوز هذا الاقتباس عندما قرأته لأول مرة منذ عدة أشهر في أول صفحة من صفحات رواية عالم صوفي وهي رواية حول تاريخ الفلسفة، لأني شككت بها في البداية فأي عتمة سأبقى بها إن لم أعرف ما الذي حدث في الثلاثة ألاف سنة الأخيرة؟!

في الواقع لم أكن أظن أنني في العتمة بتاتًا، وكنت أظن أنني أعرف وكنت أتوقع أني على قدر وافر من الثقافة والعلم، وأنني قارئة ممتازة وأكتب بشكل جيد، وقرأت التاريخ لفترة وأعرف نبذة عن اليونان والرومان وبعض من تاريخ الأشوريون والبابليون، وكنت أعرف عن مصر الفرعونية نتفا من المعلومات، وكنت أظن أن هذا يكفي لذلك فإن عبارة غوته لا تشملني بكل بساطة!!

وعندما بدأت بقراءة هذه الرواية التي بدأتها بقدر كبير من الثقةو لا أصفها بشيء إلا أنها كانت مفرطة، وما إن انتهيت من القراءة حتى تذكرت مقولة غوته في البداية ووجدتني قد فقدت الثقة التي كانت لدي، أنا لم أفقد إلا جهلي وقلة معرفتي وعلمي، تلك هي العتمة التي أتمنى أن يخرج منها الجميع، ولا أخفيكم أنني للتو بدأت بالقراءة في الفلسفة ما زلت في أول خطواتي في عالمها الذي لم أتعرف عليه إلا منذ بضعة أشهر.

وفي غمرة قراءاتي هذه، بدأت أتسائل عن سبب عدم معرفتي بالفلسفة من قبل، لم أجد إجابة إلا أنني نشأت على أن الفلسفة طريق الإلحاد والخروج من الإيمان، لكن في نفس الوقت ما تعلمته لم يؤثر على إيماني ويقيني بالله عزل وجل، بل أني استطعت أن أتعرف على قدرات العقل وما يستطيع أن ينتجه ويحققه من منجزات علمية وفكرية ونقديه، ولم أُفق من هذه التساؤلات إلا على إعلان وزارة التعليم عن إعداد مناهج جديدة في التفكير النقدي والفلسفة؛ لتعزيز قيم حرية التفكير والتسامح وعدم التعصب لدى الطلاب والطالبات.

وكم سعدت بهذا الخبر وبهذا التوجه الذي لم أستغربه ونحن في عهد مليكنا المحبوب خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمين أمير الرؤية والشباب الأمير محمد بن سلمان، فنحن في عهد التغيير الباهر، وهذا التوجه نحو الفلسفة يتفق بكل ما فيه مع رؤية 2030، التي تهدف إلى “تطوير جميع مكونات منظومة التعليم والتدريب بما فيها المعلمين والمدربين وأعضاء هيئة التدريس والحوكمة وأنظمة التقويم والجودة والمناهج والمسارات التعليمية والمهنية والبيئة التعليمية والتدريبية لكافّة مراحل التعليم والتدريب لتنسجم مع التوجهات الحديثة والمبتكرة في مجالات التعليم والتدريب”.

وإدراج الفلسفة والتفكير النقدي كمنهج يدرسه الطلاب والطالبات خطوة عظيمة ومهمة في مسيرة التعليم، فليست الفلسفة إلا وسيلة للمساعدة على التفكير بوضوح وموضوعية وتركيز، وليست العلوم إلا مجموعة من المعارف التي توصل لها الباحثون بالتفكير الجاد والنقد الموضوعي، فإن كان الطالب طوال سنوات دراسته يتلقى العلوم وكأنها قوالب جاهزة من المعلومات بل في أحيان كثيرة تصل المعلومة مبتورة لا يعرف لها الطالب أصلا ولا يدرك أن لها فرعا، فكيف سيكون حاله مع الابداع والابتكار والفكر؟ ونحن نتحدث عن ملايين الطلاب والطالبات الذي يدرسون في شتى المراحل الدراسية، أصبحت عقولهم كقطع صغيرة من الذاكرة ذات معلومات ومعارف محدودة جدًا، فلا فكر ولا معرفة حقيقة ولا قدرة على التمييز بين الغث والسمين، ولا قدرة على النقد ولا حتى قدرة على القراءة الجادة.

يقول جوستاين غاردر:
“الفلسفة ليست شيئا يمكن تعلمه، وإنما يمكن تعلم التفكير، بطريقة فلسفية.”

بعد هذا كله أدركت للحظة كم أنا بعيدة عن المعرفة الحقيقية وكم من الطلاب والطالبات غيري يعانون من نفس المشكلة التي يجهلها البعض ويعلمها آخرون، للعلوم مفاتيح ألا وهي الأسئلة وللعقول أيضا مفاتيح ألا وهي الفلسفة، لن يستطيع العقل أن يذهب لأبعد من مجرد حفظ المعلومات وسردها وقت الحاجة إلا بالفلسفة، التي ستعلمه أن كل معرفة نكرة حتى تثبت معرفتها، ولن يعرضها لهذا الإنكار إلا بالأسئلة والاستجواب الجاد والنقد العميق، ليصل في النهاية إلا ماهية هذه المعارف ومسبباتها ومسببات مسبباتها حتى نصل إلى غايتها ونهايتها.

هل تصورتم الآن قدرات العقل الذي حبانا الله به وأمرنا باستخدامه، فما أكثر الآيات التي وردت في القرآن عن العقل والتفكر والتدبر، تذكرت هنا مقولة مشهورة لأبو علم الاجتماع ابن خلدون:

‏”من يقرأ القليل في الفلسفة سيتجه بأغلب الأحوال إلى الإلحاد ومن يقرأ الكثير منها يتجه للإيمان بكل حال من الأحوال.”

——————————–

* وسمية القحطاني – طالبة دراسات عليا

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.