تسجيل الدخول

الإعلام التقليدي والإعلام الإلكتروني

2010-10-17T12:35:00+03:00
2014-03-09T16:09:03+03:00
كتاب وأقلام
kolalwatn17 أكتوبر 2010آخر تحديث : منذ 10 سنوات
الإعلام التقليدي والإعلام الإلكتروني
شايع بن هذال الوقيان

في أكثر من تقرير، سمعنا وقرأنا أخيرا أن أغلب الناس أصبحوا يستقون المعلومات والأخبار من المواقع الإلكترونية ومن شبكة الإنترنت بعامة، وهذا يعني أن دور الإعلام التقليدي

في أكثر من تقرير، سمعنا وقرأنا أخيرا أن أغلب الناس أصبحوا يستقون المعلومات والأخبار من المواقع الإلكترونية ومن شبكة الإنترنت بعامة، وهذا يعني أن دور الإعلام التقليدي؛ المقروء أو المسموع أو المرئي بدأ ــ في هذا الجانب ــ يفسح المجال لمنافسه الجديد والخطير : الإعلام الإلكتروني. هناك اختلافات كثيرة بين الإعلامين التقليدي والإلكتروني، ولكني أود أن أسلط الضوء على فرق مهم للغاية، وهو متعلق بالكيفية التي تصنع بها الحقائق وتنتج بها المعلومات. مما لا يخفى على أحد أن الإعلام التقليدي ينطوي على تراتبية وينتظم بصورة بيروقراطية صارمة، كما أن الخبر والمعلومة يخضعان للطابع المميز للمؤسسة الإعلامية، وكل قارئ أو مشاهد يتوقع نمطا معينا من المواد، بينما يستبعد نمطا آخر. بعبارة أوضح : لكل مؤسسة إعلامية أيديولوجيتها الخاصة التي تنافح عنها مباشرة أو بشكل غير مباشر. وأغلب المؤسسات تقدم نفسها، في النهاية، بوصفها مؤسسة محايدة. إلا أن صفة (مؤسسة) تجعلنا نكون حذرين من ادعاء الحياد هذا. فالتأسيس، كجذر اشتقاقي ومعرفي، لمفهوم 
(المؤسسة) هو بناء واع على أصول وأسس محددة أي إن ثمة أسسا أخرى مستبعدة. ولا يقتصر الكلام هنا على المؤسسات الإعلامية، بل والتعليمية والاقتصادية ونحوها. فإذا ما تساءلنا عن السبب الذي يجعل مؤسسة أكاديمية معروفة عالميا تستبعد علما من العلوم أو فنا من الفنون، لعرفنا أن الأسس التي نهضت عليها لم تكن لتتواءم مع هذه المعارف المطرودة أو المهمشة. مثلا : هناك جامعة أمريكية معروفة (نسيت اسمها !) رفضت أن تخصص لفرع معرفي ناشئ (هو السيميولوجيا) قسما مستقلا، لسبب بسيط وهو أنها لا تعتبره علما، في الوقت الذي لا تخلو فيه أغلب الجامعات العالمية المرموقة من وجود أقسام مستقلة لهذا العلم. إن «الأساس» أو واحدا من هذه الأسس مسؤول عن استبعاد قائمة معينة من المعارف. وهذا الاستبعاد، في تقديري، عمل أيديولوجي غير محايد.
إن صدور معلومات وتقارير وأخبار من «مؤسسة» ما، بصرف النظر عن كونها مرموقة أو غير مرموقة، هو خاضع لمعايير ومقاييس محددة، تجعل الأفكار محصورة وواضحة وغير مشتتة، والأهم من ذلك : غائية؛ أي أنها أفكار ترمي إلى غاية معينة. والأسس «الأيديولوجية» التي تصدر عنها هذه المؤسسة وتنبني عليها هي ما يطبع المؤسسة بطابع خاص. هذا في حالة المؤسسات التقليدية، ومنها الإعلامية. أما في حالة الإعلام الإلكتروني فإننا ندخل إلى فضاء مختلف وعالم جديد، يكاد أن يتناقض، ولو ظاهريا، مع الإعلام التقليدي. فهو ــ أولا ــ غير خاضع لأية بيروقراطية وتراتبية ولأية أسس أيديولوجية. وينبغي التذكير أنني هنا لا أتحدث عن موقع بعينه، بل عن الفضاء الإلكتروني ككل. فهو مفتوح لكل توجه، ومشاع لكل الناس. فإذا حوصر أحد ما داخل أفق أيديولوجي محدد يجد أن أمامه خيارات لا تنتهي لكي يؤسس له أفقا جديدا. ببساطة: إن المعلومات وطريقة إنتاجها وتصديرها لم تعد حكرا على مؤسسة ما، وهذا ما يجعل 
«النواتج» التي تتمخض عن هذه النشاطات الإلكترونية متباينة ومتضاربة، بل ومشتتة. ورغم أن هذا النتاج الفوضوي يدفع القراء والمتصفحين إلى عدم الثقة فيها إلا أن التقارير التي أشرنا إليها في صدر المقال ترى خلاف ذلك !، وهذه مفارقة غريبة. فلماذا يستقي الناس معلوماتهم من المواقع الإلكترونية أكثر من استقائهم إياها من المؤسسات التقليدية ؟ 
إن ما سبق يدفعنا للتساؤل التالي: هل الناس، بالفعل، يبحثون عن المعلومات الموثوقة والآراء المحايدة ؟ وهل اضطراب وتنوع النواتج المعلوماتية دليل على عدم الموضوعية والثقة ؟ إن المعلومات الصادرة عن المؤسسة الإعلامية التقليدية منسجمة وغير مشتتة، مما يعني، للوهلة الأولى، أنها تنص على «الحقيقة».. وبالمقابل فالإعلام الإلكتروني ــ الذي ليس له مكان محدد، وفضاء واضح ــ لا ينص على الحقيقة. هكذا يفكر الناس مبدئيا، ولكنهم مع ذلك يتجهون للإعلام الإلكتروني. يمكن تفسير ذلك بأن نجيب بالنفي عن السؤال السالف: كلا، الناس لا يبحثون عن الحقائق الموضوعية إزاء كثير من الأحداث الواقعية والراهنة، بل يبحثون ببساطة عن المعلومة التي تدعم وتؤيد وتعزز الأفكار الموجودة في أذهانهم مسبقا. لقد بدأ «صناع الإعلام» في الماضي القريب بملاحظة هذا الشعور الذاتي. واخترعوا برامج من نوعية (ما يطلبه المشاهدون أو المستمعون). ولم يعد الأمر مقتصرا على البرامج الترفيهية، بل أصبحنا نرى أن الكثير من المواقع والمؤسسات الإعلامية، قديمها وحديثها، تتنافس لاستقطاب القراء والمشاهدين، وذلك بتقديم كل ما يريدونه بالضبط. لقد تخلى الإعلام التقليدي عن الدور الرسالي والأيديولوجي والموجه، ولكنه لم يعرف أنه ــ هنا ــ قد تخلى عن فضائه الخاص، وليس هناك فضاء آخر خارجه إلا (الإنترنت). إذن، فإقبال الناس على الشبكة العنكبوتية هو بحث عن خيار أفضل يقدم لهم (ما يطلبون) بدون مزايدات، وبدون حسابات معقدة.. ولكن، إذا اتفقنا على أن الإعلام بشقيه: الكلاسيكي والإلكتروني، هو في خاتمة المطاف لا يقدم «حقائق موضوعية» بل معلومات وآراء خاضعة للمزاج الخاص والطابع الشخصي، وهذا ليس حكما تقييميا، فإن الفرق بينهما سيكون فرقا شكليا بحتا. فالأصوات المحدودة التي تصنع الخبر أصبحت متعددة ومتنوعة ومتضاربة بصورة جعلتنا لا نعود نسمع شيئا واضحا، ولو سمعنا شيئا لما وجدناه متميزا عن غيره، فهو مجرد «خبر» 
أو «معلومة» نصت عليها أصوات بشرية لم تكن إلهية في يوم من الأيام.

 

عكاظ

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.