تسجيل الدخول

المثلث المدمر وضرورة الإصلاح..

2011-02-14T16:01:00+03:00
2014-04-06T17:18:52+03:00
كتاب وأقلام
كل الوطن - فريق التحرير14 فبراير 2011آخر تحديث : منذ 10 سنوات
المثلث المدمر وضرورة الإصلاح..
د حسناء القنيعير

يعد الازدهار الاقتصادي وارتفاع مستوى الدخل الوطني كافياً  لاستقرار الدول ، إن لم يصاحب ذلك تطور في الذهنيات القادرة على توظيف العامل الاقتصادي،  ووفرة المداخيل واستثمارها في ترقية الأوطان وبناء الإنسان  بناءً حقيقياً ، ليكون قادراً على  المساهمة في رفعة وطنه ورقيه وازدهاره، مما ينأى بالوطن أيّ وطن عن الاضطرابات والفوضى المدمرة.

كتبت منذ عامين وتحديداً في 22 فبراير2009 ، مقالاً بعد التغـيير الوزاري الذي شمل التعليم والصحة والقضاء ، قلت فيه  إن  (تلك التغييرات مهمة  لفهم السياسة التي ينتهجها الملك عبد الله، ومن الطبيعي أن التحولات ليست من صنع فرد أو أفراد ، بقدر ما هي قرار سياسي سلطوي تتولى تنفيذه والسهر عليه مؤسسات الدولة الرسمية التي أوكل إليها الملك تلك المسؤولية . والتغيير لا يعني تغيير أشخاص فقط ، بل تغيير العقليات وأنماط الإدارة والممارسة، ومحاولة فهم ماذا حققنا وماذا علينا أن نحقق، والإقرار بأن النيات الحسنة لا  تُصلح ما أفسده الدهر، والاعتراف بالداء، وتوظيف القادرين على إصلاحه، ولهذا فإن النجاح في هذا الأمر لا يتحقق بمجرد تغيير القيادات في قمة المؤسسة، لأن من في القمة لا يستطيعون تحقيق الأهداف المرجوة مادامت بعض النماذج المتكلسة، وبعض ذوي المصالح الخاصة لا يريدون التفاعل مع ما تمليه التحولات التي تحافظ على أمن الوطن واستقراره). وبعد مرورعامين –  وهما لايعدان شيئا في عمر الشعـوب، لكن لهما قيمة كبرى في مشاريع الإصلاح والتغيير –  أجد أننا ما زلنا نعاني من ذلك المثلث المدمر الذي لن تقوم لأي تغيير أو إصلاح قائمة دون القضاء عليه قضاء مبرما، ذلكم هو مثلث الفساد والبطالة والفقر، وعلاج  هذه الأمور الثلاثة  علاجا جذريا كفيل بإصلاح الأمور الأخرى، كما أنه السبيل إلى حماية الوطن وتوفير الأمن والاستقرار له.

لقد استشرى الفساد في بعض  المؤسسات التي أوكل إليها إنجاز مشاريع كبرى في الدولة، وأهدرت أموال تقدر بمليارات الريالات  في مشاريع وهمية ، ومشاريع لم تنفذ أو نفذت بمواصفات رديئة لا تتجاوز تكلفتها الحقيقية بضعة آلاف، وحدثت كوارث  أزهقت الأرواح ودمرت ممتلكات.  ورأينا كيف  أُرسيت مشاريع عملاقة على شركتين كبريين لا ثالث لهما؛ كابن لادن وسعودي أوجيه  بمليارات ، ثم سُلمت المشاريع من الباطن من شركة لأخرى  حتى  لم يبقَ للمشروع الواحد سوى الفتات فكيف يحدث هذا؟ ولماذا لا تحول هاتان الشركتان إلى شركات وطنية مساهمة ؟ ثم كيف ولماذا وإلى متى يحدث هذا الهدر لثرواتنا  الوطنية من فئات من المتنفذين ورجال الأعمال؟ وبأي حق يستحوذ أولئك النفر على مقدرات الوطن وحقوق المواطنين؟ وبأي  منطق يتنعمون بالميارات وبعض بني الوطن لايجدون قوت يومهم ؟عشرات الأسئلة  تتوارد على أذهان المواطنين  فلا يجدون إجابة لها!

لا يدمر بنية الأوطان وتماسكها ، ولايهدد استقرارها شيء كالفساد، واستحواذ فئة من المتنفذين والمسؤولين على ثرواتها. هذا الداء المدمر دعا الملك إلى محاربته، وشكل لجنة لتقصي الحقائق للكشف عن المسؤولين عن كارثة جدة كمثل واضح وحي من أمثلة الفساد ، لكنه وعلى الرغم من مرور عام لم نعلم كيف ولا أين وصلت التحقيقات؟ فالشفافية مهمة جدا في هذه المرحلة كي يكسب المسؤول ثقة الناس، الثقة في المحاسبة، والثقة في العدل،  والثقة بأن الناس في الوطن سواسية، والثقة بأن الثروات ملك للجميع وليست لفئة دون أخرى.

لا يعقل أن يُعاقب لص سرق ليطعم أولاده، وينجو من العقاب آخرون نهبوا مليارات من ثروات الوطن، فأودعوها في بنوك أجنبية وعاشوا وأبناؤهم في رغد من العيش سيمتد لأجيال عديدة  من نسلهم ، فالمبالغ المنهوبة تعادل ميزانيات بعض الدول. وليس أقل لتحقيق العدل من مصادرة تلك الأموال لتنفق على المشاريع نفسها وليس من الحكمة أن تترك تلك الأموال لدى أولئك اللصوص ليستمتعوا بها ؟ ومن يأخذ بحق الأبرياء الذين لا ذنب لهم سوى أنهم عاشوا في مناطق توالى عليها كثيرون ممن لم يراعوا الأمانة، أفراد أمنوا العقوبة فشكلوا سلسلة متوالية، وشبكة من سراق المال العام. الفساد أكبر آفة تعصف بالأوطان، ولا يجدي معه سوى البتر.

هناك مؤشرات على فساد إداري واقتصادي  يتزايد عاماً بعد عام ؛ سببه كثرة الأموال في أيدي بعض المسؤولين الذين لا يخشون الله ولا يستحون من الناس ، أولئك الذين ما أن يتولوا زمام المسؤولية في جهة حكومية حتى تظهر عليهم علامات الثراء لأننا لا نفعّل قانون إبراء الذمة  قبل تولي الوظيفة الحكومية، ولا نفعّل قانون من أين لك هذا ، وهنا ينبغي الإشارة إلى وجوب تفعيل هذين القانونين في كل المؤسسات الحكومية والجامعات دون استثناء، تلك التي بدأت تنهال عليها وفرة من الأموال الطائلة ؛ ليعلم الجميع كيف وعلامَ تنفق . علاوة على إفساد الجهاز الإداري  من قبل بعض الذين أسندت إليهم وظائف قيادية في الوزارات والمؤسسات الحكومية  والجامعات، فأتوا بأقاربهم وأنسابهم وزوجاتهم وأشقائهم وأبناء العمومة، مما شكل استئثاراً بالوظائف  والمناصب ، وإبعاداً للكفاءات وذوي الخبرات والمؤهلات.

في قصيدة لشاعر عربي بيت يقول فيه :

إن الفراغَ والشبابَ والجـِدة

مفسدةٌ للمرءِ أيُ مفسدة

لكن ماذا عن الشباب والفراغ والفقر؟ ماالذي يمكن أن يحدث  للشباب الذين يجدون أنفسهم بلاعمل  وكيف يقضون سحابة يومهم؟ بل كيف يفعلون ليتجنبوا الوقوع في المحاذير والمخاطر نتيجة الفراغ والفقر ؟ كيف لهم أن يصدقوا عدم وجود فرص عمل توفر لهم حياة كريمة، ووطنهم  يتوافد عليه آخرون يعانون المشكلة ذاتها في بلدانهم، لكنه سرعان ما يتلقفهم ويوفر لهم ما عجز عن توفيره لأبنائه ؟ ويتركهم يعانون مرارة الحاجة والقهر، وتجرع ظلم ذوي القربى

من رجال الأعمال الذين طغت عليهم مشاعر الأنانية وحب المال، على المساهمة في توظيف أبناء الوطن ، الذي هو حق لهم لدى أولئك التجار الذين أتاح لهم الوطن مناخاً  جيداً لتنامي ثرواتهم. وليت مشكلتهم  وقفت عند هذا الحد بل زاد معاناتهم  ظهور الهيئة العامة للاستثمار التي وفرت مناخا آمنا وجيداً ومربحاً للمستثمرين الأجانب، فجاؤا بأموال هزيلة ليستثمروا في قطاعات لا يحتاجها الوطن، فأثروا على حسابنا وجلبوا عمالتهم من أوطانهم ؛ لأنهم يتمتعـون بحصانة الهيئة التي لم تشترط عليهم  توظيف أبنائنا، على العكس مما تفعل كل الدول مع المستثمرين الأجانب إذ تضع توظيف مواطنيها في رأس أولوياتها. وأجج هذا الصنيع مشاعر الغضب وراكمها  لدى فئة كبيرة من المواطنين الذين يرقبون مهزلة ما يسمى بالاستثمار الأجنبي! ومع  كل ما كتب وقيل عن الاختلال الذي يشوب ذلك، لم يفلح أحد في تحريك ملف  الاستثمار أو إخضاعه للمساءلة, وأظن أن القادم وما نتوقعه من غضب متنام ٍ لدى الشباب العاطلين، لن يسمح باستمرار الصمت عما يحدث في هيئة الاستثمار وغيرها، فلقد آن الأوان لفتح كل الملفات والبحث عن المتسببين الحقيقيين في بطالة أبنائنا.

يتحدث كثيرون عن أن أبناءنا ليسوا وحدهم من يعاني البطالة فهناك من يشاركهم ذلك في الوطن العربي!  لكنهم لا يفرقون بين بطالتهم وبطالتنا، فتلك البلاد تعاني من قلة الموارد المالية وكثافة سكانية مما ينعكس حتما على قلة الوظائف، أما نحن فبلد غني يكاد يكون أغنى بلد في المنطقة العربية، وعدد السكان قليل قياسا بغيرنا، مما جعل بلادنا مقصداً لكل من يرغب في الحصول السريع على العمل؛ وذلك لكثرة الوظائف ولاتساع مساحة بلادنا، ولاستعصاء السعودة من قبل رجال الأعمال بإصرار غريب وعجيب. لذا لابدّ من حل  عاجل لهذه المشكلة  بوضع حد أدنى للأجور لا يقل عن 4000 آلاف ريال،  والحد من تدفق الأجانب على بلادنا ، وترحيل  من مضى على وجوده في الوطن فترة طويلة ، فبعضهم مضى على وجوده ما يزيد على الثلاثين عاما، كما ينبغي أن تحدد إقامة العمال بعشر سنوات على أكثر تقدير حتى لا يبقوا عندنا فترات طويلة ولا يستبعد أن يطالبوا بعد ذلك بالجنسية.

إننا حتى اللحظة لم نحرز تقـدماً يذكر في ملفات الفساد والبطالة والفقر، ولا يعقل أن ننتظر عقوداً حتى نبدأ بالإصلاح الحقيقي، أو أن نؤجله إلى الأجيال القادمة، فهذه الأمور أكثر إلحاحا من غيرها.

لابدّ من الانتباه إلى أننا لا نأمن ردود فعل العاطل الذي يرى صور الفساد أمامه وهو لم يفـز بفـرصة عمل، والفقير الذي لا يجد قوت يومه، ويترك نهبا للحاجة والضياع، ولا نظن أنهما سيظلان محصنين ضد تحريض المحرضين؟  ولن يستمرا بمنأى عمن يترصدون  ببلادنا؟ كيف نطالبهما أن يكونا وطنين مخلصين ونحن حرمناهما حقوقهما؟

إن المنطق يفرض علينا المبادرة مباشرة بإصلاحات متدرجة وحقيقية ، بمحاربة الفساد والمفسدين ، وتحقيق العدالة الاجتماعية للمواطنين ، والمساواة بينهم بشكل ينسجم مع رغبة الملك، ودعوته للإصلاح ومحاربة الفساد، ومتناغمة مع الشعور بالمسؤولية الوطنية، وحقوق المواطنين.

الرياض

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.